… إلا في بلادي!

12 May, '05
كنت أشكو لأحد الزوار من مشكلاتنا مع الفساد والمفسدين، مشيرا إلى حديث جلالة الملك – حفظه الله – بشأن ذلك الأمر في خطابه عند افتتاحه دور الانعقاد السابق، فقال لي الزائر: “بوس إيدك مقلوبة”! فقلت له: لماذا؟ فقال: سأروي لك قليلا عما يجري في بلادي.

ورحبت بذلك، وسأنقل لكم جانبا مما قاله الزائر عن بلاده من عجائب الزمان التي لا تخطر على بال إنسان، فماذا قال عن بلاده؟ قال: في أي بلادي… إذا تم القبض على مجرم في حق الإنسانية ينال جزاءه العادل، إلا في بلادي فإنه توضع الحراسات Ùˆ”النبطشيات” لحماية هذا المجرم، بل ويتم التستر عليه وتسديد ديونه، وبدوره يقوم بتغيير “البزنس” الخاص به وبدلا من التفنن في إهانة الناس وتلفيق التهم لهم تراه في سوق العقارات يبيع ويشتري في أملاكهم!

وإذا قبض على اللص ينال جزاءه وعقوبته، إلا في بلادي إذا سرق أحدهم تم تهيئة الأجواء له ليتسنم مركزا أعلى في مقر عمله أو في مكان آخر!

إذا تم القبض على سارق للأراضي فإنها تسحب منه وتعاد إلى خزينة الدولة وملكيتها، إلا في بلادي فإنه يقوم بالتهديد بأنه سيفضح من هو أكثر منه لصوصية، وبالتالي يتم التستر عليه وتقديم أراض إضافية “مجانية” إليه!

إذا تم القبض على مسئول وهو يقامر بأموال الدولة، ولا يهم هنا أكان يلعب “الضمره أم النخال” فإنه يحاكم ويزج به إلى السجن، إلا في بلادي فإن شأنه يكون عظيما، بل ويرقى ويعطى منصبا أكبر!

إذا تقدم أحدهم باستجواب ضد وزير ثبت فساده، فإنه يقدم استقالته ويحال إلى النيابة إذا كان الموضوع متعلقا بالمال العام، إلا في بلادي فإن هؤلاء يصبحون شيئا آخر بعد الفساد “…”!

إذا قام أحدهم بزرع الفتن الطائفية ليل نهار معرضا السلم الاجتماعي/ الطوائفي إلى الخطر، ويقوم بترويج الفتنة عن طريق أشرطة صوتية فإنه يحال إلى المحاكمة، إلا في بلادي تفسح له الصحف صدرها للتصريح تلو التصريح، ويقرب من بعض الدوائر الرسمية!

إذا تم القبض على مسئول يسرق من المال العام فإنه يحاكم وينال جزاءه، إلا في بلادي فإن القوانين تحميه، واللائحة الداخلية للمجلس المنتخب من الشعب تحميه، والطائفة تحميه، أما إذا سرق أحدهم نعالا من مسجد فإنه يتم التشهير به في “الصحف”ØŒ وتدق الأجراس في الدكاكين السياسية تلويثا وتعريضا بسمعته.

إذا طالب أحدهم بحقوق المواطنة فإن الدولة تمنحه جائزة تقديرية، إلا في بلادي فإن من يكون أكثر طائفية وشديدا على أبناء الوطن من الطوائف الأخرى فإنه يمنح النياشين وتقام له الكرنفالات الاحتفائية.

في المراحل الانتقالية، وفي الدول التي تطمح للإصلاح، يتم القبض على الجواسيس والخونة وإعدامهم أو سجنهم مع التغليظ في العقوبات، إلا في بلادي فإنه تتم ترقيتهم والإغداق عليهم! وفي المراحل الانتقالية أيضا تصدر القوانين التي تنص على تعويض ضحايا الحقب المظلمة، إلا في بلادي فإنه يتم، بتلك القوانين، حماية المفسدين والمجرمين!

صدمني هول الكوارث في بلاد هذا الزائر الغريب، وسألته عن اسم بلده؟ فأجاب الزائر: إنني من بلد يمتد تاريخها إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، وينتسب أهلها إلى دين سماوي يدعو إلى العدل والتسامح، وشعبها له علاقة وطيدة مع النحاس والحديد. هنا استوقفته: هل تعني بالنحاس “نحاسة” الحظ؟ وتعني بالحديد علب البيبسي كولا “القواطي” فأجاب: نعم. فعرفت بلاده فهي قريبة من فؤادي!

Al-Wasat :: Mohammed Al-Othman :: 12 May 2005

Filed in: Politics
Tagged with:

Comments are closed.

Back to Top