المدونات البحرينية: «بــسّ» يا وطـــن

الوقت – باسمة القصاب:

جالساً تتناوبني هواجس الإقصاء المبرمج لخارطة الإنسان البحريني. تداعيات أحداث قضية البندر تلقي بسواد ظلالها على نفسي ومزاجي وتفكيري. التلفاز أمامي. محطة الـ ?? تعرض برنامجاً يتحدث فيه القس توتو، داعية حقوق الإنسان المشهور، عن ضرورة مواجهة العنصرية بكل أشكالها. قال عبارة علقت في ذهني من لحظتها ‘’كيف نستطيع أن نشعر بالسلام، وجارنا، في الوقت نفسه، لا يشعر بالسلام؟’’. أوقفتني هذه العبارة. كيف يمكن أن أشعر بالأمان، وليس كل أبناء وطني، في الوقت نفسه، يشعرون بالأمان؟ كيف أشعر باللا إقصاء وهناك من أبناء وطني، من يتعرضون، في الوقت نفسه، لحملات اقصائية منظمة وموجهه؟ كيف أشعر باللا تمييز، وهناك في الوقت نفسه، حملة مخطط لها، قائمة على يد وساق، بقصد التمييز والتفريق والفصل الطائفي. كيف نستطيع مواجهة هذا التخطيط؟ ليس سوى بمواجهته.

لم نعش الفرقة، ولم نقبلها يوماً. صغاراً كنا نتشاقى معاً، نلعب معاً، نتعلم معاً، وقد كبرنا معاً. لماذا يراد لنا اليوم أن لا نبقى معاً؟ لماذا يراد لأجيالنا القادمة أن لا تنشأ معاً؟
‘’لا شيعي، لا سني، بس بحريني’’. أطلقتها صرخة من مدونتي. ما أسرع أن لبت المدونات البحرينية الصرخة. قامت تصرخ معي. بس بحريني. بس بحريني. قال ذلك محمود اليوسف، صاحب أول مدونة بحرينية. مدونة ‘’عرين محمود’’. افتتحها العام .2003 يحمل محمود همّ إسماع صوت العرب لكل العالم، لذا جاءت مدونته باللغة الانجليزية ‘’أردت أن أقول للعالم، إن ما يجمعنا هو أكثر بكثير مما يفرقنا، بعد تداعيات حوادث 11 سبتمبر، كان مهماً بالنسبة الي أن أقول للعالم: ليس كل العرب إرهابيين، ليس كلهم متطرفين، ليسوا كلهم منغلقين، بل ليسوا كلهم مسلمين’’.
يصل عدد متصفحي مدونة محمود إلى 4 ملايين متصفح شهرياً حسب قوله، ويرى أن العالم الغربي شغوف جداً بمحاولة فهم مجتمعات العالم العربي. ‘’أستطيع أن أقول إن المدونات العربية الناطقة بالانجليزية، استقطبت المثقفين الذين يعشقون السلام والصداقات ويكرهون الحرب والعداوات’’.
تقول المدونات البحرينية ‘’بسّ’’. وتمعن في قولها ‘’بس’’ لكل ما يجرح إنسانية الإنسان ويتعامل معه على غير إنسانيته.
ترفع المدونات البحرينية صوتها، صارخة ‘’بسّ’’، على المخططات المنظمة والموجهة لضرب أبناء الوطن بعضهم بالبعض الآخر. ‘’بسّ’’ المدونات ليست خططا منظمة، ليست حملات مدعومة، ليست خاضعة لسياسية مدبرة أو أجندات رفيعة المستوى. هي مبادرات فردية هاملة. وليدة لحظة وظرف وحدث. أقرب لأن تكون رد فعل مناهض أو رافض أو معترض. لا تلبث باقي المدونات، بفعل حسّ ‘’بسّها’’ المشترك، أن تتلقف المبادرة الفردية سريعاً، وتتبناها، وتضغط باتجاهها. تقول المدونات البحرينية ‘’بسّ’’ للطائفية. بسّ للصفحات الصفراء. بسّ للأقلام المأجورة. بسّ للكذب والزيف والنفاق والتضليل والتمويه والاستفزاز والقمع والمنع. بسّ لقمع الرأي. بسّ لحجب الرأي الآخر. بسّ للمخططات رفيعة المستوى. بسّ لانتهاكات حقوق الإنسان. بسّ لسحق كرامة الإنسان.
في نوفمبر/ تشرين الثاني ,2006 أطلقت مدونة ‘’مداس آية الله’’ ما يشبه الحملة، حين تبنت نشر خبر اعتقال المواطن الدكتور محمد سعيد (31 عاماً)، وهو ناشط سياسي يعمل طبيب أسنان، منددة باقتياده عنوةً، ومن دون إذن من النيابة العامة، إلى مركز التحقيقات في العدلية، إحدى ضواحي العاصمة البحرينية (المنامة). ترى مدونة مداس بأنه ‘’يجب التعامل مع المواطنين كذوات حقوقية وليسوا كحيوانات في قطيع’’.
في اليوم نفسه نشرت عدد من المدونات البحرينية، والمواقع الالكترونية الخبر نفسه نقلاً عن مدونة مداس، معلنة استياءها من تكميم الأفواه. أطلقت عليه المدونات اسم سجين الرأي. عدد كبير من المدونات البحرينية قامت بوضع صورة محمد سعيد على هوامشها الجانبية، مطالبة بالإفراج عنه من دون قيد أو شرط، كما أُطلقت مدونة خاصة باسمه، تناشد المنظمات الدولية بالتدخل والضغط على الحكومة البحرينية، من أجل إطلاق سراحه. الدكتور محمد سعيد هو أحد الشخصيات التي وقعت على العريضة الموجهة بخصوص تقرير مركز الخليج لتنمية الديمقراطية
(مواطن)،’’ والمطالبة بالتحقيق فيها.
مازال الطريق طويلاً أمام ‘’بسّ’’ المدونات البحرينية، حديثة العهد، كي تتحول إلى ‘’بسّ’’ ناجزة وفاعلة ومؤثرة بقوة. لكن ثمة ما ينتظر حضورها بالتأكيد..

Al-Waqt :: Basima Al-Qassab :: 13 Jan 07

Back to Top