أبو أمل رفيق العمر

للمرة الأولى في حياتي أكتب عن رفيق العمر عبدالرحمن النعيمي ‘’أبو أمل’’، هي لعمري مهمة صعبة جداً. أكتب هذه الكلمات وأنا مثل الكثيرين من أهل ورفاق وأصدقاء ومحبي أبو أمل قلقون للغاية على حياته. ولذا فإنني أأمل أن يتعافى أبو أمل ويقرأ كلماتي هذه. تعرفت على أبي أمل، في بيروت في ,1961 حيث حصلت على بعثه دراسية لإكمال الدراسة الثانوية تمهيداً للالتحاق بالجامعة الأميركية في بيروت، ومنذ ذلك الوقت ونحن متلازمان تجمعنا رفقه نضالية، وصداقة، وأخيراً قرابة، حيث أخي علي متزوج أبنته عائشة. لذا فإن شهادتي فيه عن قرب. هو من أقنعني بالالتحاق بحركة القوميين العرب في السنة الأولى لدراستي الجامعية في ,1963 ومنها بدأت مسيرة نضالنا المشترك في مختلف المراحل والتنظيمات، حركة القوميين العرب، الحركة الثورية في عمان والخليج العربي، الجبهة الشعبية في عمان والخليج العربي، الجبهة الشعبية في البحرين وأخيراً جمعية العمل الوطني الديمقراطي.

جمعتنا مع ثله من طلبة البحرين، العمل الطلابي الوطني في رابطة طلبة البحرين في بيروت، والعمل الطلابي القومي، من خلال كنفدرالية الطلبة العرب في لبنان. في معظم مراحل حياتنا كنا مع بعض، في الجامعة الأميركية في بيروت حتى 1967 في البحرين من 1967 حتى أواخر ,1970 وفي المنافي من 1970 حتى رجوعنا إلى البحرين على الطائرة ذاتها يوم 28 فبراير/ شباط .2001 يوم الاستقبال الحافل في مطار البحرين والعرس الوطني بالاحتفاء بالعائدين في تلك الأيام المشهودة.

قدر لي من خلال النضال المشترك، السري والعلني وشبه العلني أن أعايش أبو أمل وعائلته عن قرب.

في البحرين وبعد تخرجنا من الجامعة الأميركية، انخرطنا معاً ومعنا مناضلين عدة في إعادة تنظيم صفوف حركة القوميين العرب، والحوار مع فصائل وطنيه سرية خصوصاً جبهة تحرير شرق الجزيرة وجبهة تحرير الخليج العربي، ليتوحد بعضها في إطار الحركة ثم تتوحد في إطار الجبهة الشعبية في البحرين.

في غمار العمل السري الخطير المضني، عمل أبو أمل لتنظيم صفوف العمال في محطة كهرباء الجفير وقاد أول إضراب في العام 1968 ما أدى به إلى السجن. لن أنسى صلابته في السجن، وصلابة أم أمل وتصبرها، وكنت أمر على بيتهم في منطقة الحد. أنتقل أبو أمل ليعمل في أبو ظبي بعد أن سدت في وجهه الأبواب في البحرين، لكنه وأصل نضاله، وأعتقل هناك أيضاً وحكم عليه بالسجن، الذي قضى فيه أشهر عدة ثم أطلق سراحه بعفوٍ من الشيخ زايد رحمه الله.

كنت أتردد حينها على أبو ظبي والتقيه، ضمن ترتيبات العمل في البحرين، وضمن ترتيب صفوف واتصالات الحركة الثورية في عمان والخليج العربي التي انبثقت كتنظيم يساري من حركة القوميين العرب، في المؤتمر التأسيسي في دبي في فبراير/ شباط .1968

في نهاية 1970 بدأت سيرة منفاي وقد سبقني إليها، لتقودنا معاً إلى ساحات نضالية عدة. في ظفار، حيث أخذ عائلته ليعيش في حوف مثل باقي العائلات الظفاريه التي هجرتها الحرب، وسط المصاعب والأخطار. وكان يتنقل وسط المخاطر من ساحة إلى أخرى، تاركاً عائلته لرعاية الرفاق. بدوري كنت مسؤولاً عن مزرعة جبينوت لتدريب وتأهيل المرشدين الزراعيين وإجراء التجارب على المحاصيل، في محاولة لتطوير إنتاج ريف ظفار المحرر.

وهكذا كانت لقاءاتنا على أرض ظفار، أو في عدن، مع المناضلين العمانيين ومجموعة من المناضلين البحرينيين. والخليجيين الذين التحقوا بصفوف الثورة العمانية والتي يعتبرونها ثورتهم، وشكلوا مع المناضلين العمانيين نسيجاً واحداً من دون تمييز.

تأسيس الجبهة

في يونيو/ حزيران 1974 عقد المؤتمر الاستثنائي للجبهة الشعبية لتحرير عمان والخليج العربي بعد مرور ثلاث سنوات على تجربة اندماج التنظيمات الخليجية المنبثقة من حركة القوميين العرب، ليقرر الاستقلال التنظيمي، وهكذا استقل فرع البحرين ليشكل في نهاية العام 1974 الجبهة الشعبية في البحرين.
كان أبو أمل كما هي العادة هو من قاد عملية تأسيس الجبهة الشعبية في البحرين ليلم الصفوف المتناثرة، وليبتدئ فصلا مجيدا من النضال، أستمر حتى سبتمبر/ أيلول 2001 بتأسيس جمعية العمل الوطني الديمقراطي.

كنت أحد المؤسسين للجبهة الشعبية في البحرين، ولكن طلب مني الرفاق العمانيون، إلى جانب عدد أخر من المناضلين البحرينيين، الاستمرار كمتفرغين في صفوفهم، ولم نكن لنرفض، فالجبهتان العمانية والبحرينية هما شقيقا نضال. استمررت في مهمتي في إعلام الجبهة العمانية وفي ذات الوقت متابعه أوضاع البحرين وحضور الاجتماعات القيادية كلما أمكن، وتأدية بعض المهام.
في هذه المرحلة تجلت مره أخرى قدرات أبو أمل، وهو في المنفى في سوريا، في ربط الخيوط الخفية مع البحرين، حيث يتطلب الأمر حنكة وسرية وبراعة وصبرا لإعادة بناء التنظيم، وربط الخلايا وتنسيق عملها في البحرين وسط ظروف القمع والتراجع، في الوقت ذاته العمل لتقريب صفوف العمل الوطني، وقيادة نشاط المعارضة البحرينية في الخارج. أذكر هنا الجهد الاستثناني، إثر هجمة أغسطس/ آب 1975 من أجل توحيد صفوف المعارضة في الداخل والخارج (الجبهة الشعبية وجبهة التحرير وتنظيم البعث) للتحرك سياسياً في الخارج واستنهاض قوى الداخل ومعالجة أثار هجمة أغسطس. هنا تتجلى طبيعة أبي أمل ذات النزوع للتحالف والترفع عن الخلافات والمحاكات سواء داخل التنظيم، أو في الصف الوطني والقومي الأوسع.

مرة أخرى تتجلى هذه الصفات، بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران في فبراير/ شباط ,1979 والصعود المتواصل للحركة الإسلامية الشيعية المعارضة. فعلى رغم اتخاذ التيار الإسلامي الشيعي المعارض حينها موقفاً سلبياً من تنظيمي اليسار (الجبهة الشعبية في البحرين وجبهة التحرير الوطني ـ البحرين) إلا أن أبا أمل دفع باتخاذ موقف عقلاني بصدر رحب، وتلقى سهام الأخوة من دون الرد عليها.

بعد إخراج المقاومة الفلسطينية من بيروت صيف ,1982 تواجد في دمشق قيادات الخارج لكل من جبهة التحرير الوطني والجبهة الشعبية، وهنا كان دور أبا أمل في الدفع لتجاوز خلافات الماضي المريرة بين الجبهتين وتعاونهما واستناد الوثيقة للعمل المشترك، وتطور هذا التعاون وصولاً إلى تشكيل التنسيق بين الجبهتين، حيث جرى توحيد العلاقات الخارجية والإعلام وحقوق الإنسان والتي استمرت حتى ,1999 حيث أسهم ذلك في إيصال قضيه شعب البحرين إلى العالم العربي والأجنبي، والتعاون مع قوى المعارضة الإسلامية وهو ما أسهم في انتصار قضيه شعب البحرين بتوافق إرادة الحاكم والشعب.
ويمكنني القول أنه ومنذ ,1979 لعب دوراً حاسماً في التقارب بين الجبهة الشعبية في البحرين، والتيار الوطني اليساري عموماً من ناحية والتيار الإسلامي الشيعي المعارض من ناحية أخرى. واستمر في لعب هذا الدور بعد العودة إلى البحرين وهو على رأس جمعية العمل الوطني الديمقراطي، والذي أثمر التحالف الدستوري السداسي.
مناضل في الميدان

على رغم موقعه القيادي على رأس التنظيم في مختلف المراحل من 1976 حتى اليوم، فلم يكن أبو أمل في المواقع الآمنة، بل العكس، فقد ظل في قلب المخاطر وفي ساحات النضال مباشرة، ناضل في ظفار، وسط مخاطر الحرب، وناضل في ساحل عمان (الإمارات)، لترتيب الصفوف الخلفية لدعم الثورة المسلحة سواء في عمان الداخل أو ظفار، وسط مخاطر الاعتقال بل والتصفية، وناضل في لبنان في عز الحرب الأهلية ومخاطر الموت الأعمى.

عاش شظف العيش كأي مناضل ولم تكن لعائلته أية امتيازات سواء في البيت المتهالك في الحد، أو بيت الطين في حوف، أو شقه متواضعة في عدن، ولم يتوافر له بيت مريح نسبياً إلا في دمشق وبدعم من أسرته الوفية. وأخيراً في البحرين، حيث توفر له سكن لائق حديثاً.
عشنا معاً في المنافي نتقاسم آلام الغربة، ومشقة العيش، لعقود غلب عليها انحسار العمل الوطني وتفرق المناضلين إلا من قلة قليلة صابرة ثابرت على التواصل معنا ودعمنا، وأسرنا التي تحملت الكثير من أجلنا.

المناضل الكادح

في غمرة النضال وشح الموارد المالية، علٌمنا أبو أمل الاعتماد على النفس والعمل لكسب العيش تحت أصعب الظروف. فكان مشروع ‘’الحقيقة برس’’ بالتعاون مع المناضل الإنسان النائب زاهر الخطيب، ثم تأسيس ‘’دار الحضارة الحديثة’’ مع الصديق هاني مندس، وأخيراً ‘’دار الكنوز الأدبية’’.
كان على رأس هذه المشروعات وفي الوقت ذاته متعدد الأدوار، مؤلفا، وصافا للكتب، ومراجعا ومخرجا، ومسوقا. واستطاع أن يثبت دار الكنوز الأدبية من بيروت وفي تنافس شريف مع أرباب الدور العريقة، كواحدة من أهم دور النشر العربية. وقد أسهمت الدار في نشر نتاجات كتاب من الخليج وكتاب عرب ضد التيار الطاغي، ممن لم تكن الدور الأخرى لتخاطر بنشر نتاجاتهم.
مناضل في قلب الحدث

لم يكن عبدالرحمن النعيمي ذلك الصنف من قيادات المعارضة الذي يقبل أن يكون في الخلفية الآمنة، ويعطي التوجيهات من بعيد.

كان عبدالرحمن ذلك القيادي المناضل الذي يقود العمل وسط المخاطر. وهكذا فقد كان عبدالرحمن يقود العمل في البحرين بعد تخرجه في العام ,1966 لإعادة بناء تنظيم حركة القوميين العرب، وبعد اعتقاله في 1968 انتقل إلى أبوظبي، ليقود من هناك المكتب السياسي للحركة الثورية لتحرير عُمان والخليج العربي، وهو الجناح اليساري لتنظيم حركة القوميين في الخليج العربي. وعمل في أبوظبي في إدارة الكهرباء والماء وهي ساحة خطرة في ضوء ملفه الأمني الموجود لدى الاستخبارات البريطانية التي تقود الاستخبارات في مختلف دول الخليج في ظل تعاون استخبارات المنطقة، بحيث كان مرصوداً.
وإذا أضفنا إلى ذلك الانهيارات التي تحدث وتسلل عناصر استخبارات إلى صفوف التنظيم الجديد الذي لا يمتلك خبرات جيدة، واستخدام الإمارات كمعبر للمناضلين وتهريب الأسلحة إلى عُمان الداخل للإعداد لتفجير الكفاح المسلح في عُمان الداخل والذي جرى في 12 يونيو/ حزيران 1970 والذي فشل فشلاً ذريعاً، لأدركنا حجم الخطر الذي يهدده. وهذا بالفعل ما حدث فقد جرى اعتقاله في أبوظبي في 10 أغسطس/ آب ,1969 وضبط في شقته أسلحة وذخائر وحوكم وصدر الحكم عليه بتهمة الإعداد لتفجير المنصة في الاحتفال بتنصيب الشيخ زايد في 8 أغسطس/ آب ,1969 وصدر الحكم عليه بالسجن 10 سنوات، على رغم أن الاستخبارات تعرف جيداً أن الإمارات لم تكن مستهدفة في عمل الحركة الثورية بل كانت معبراً لعُمان. وقد زار أبوه المرحوم محمد النعيمي الشيخ زايد في مجلسه، وانتخاه لإطلاق سراح ابنه، واستجاب الشيخ زايد بأريحيته، وأطلق سراحه بعد 8 أشهر في السجن في أبريل/ نيسان 1970 ومرة أخرى لم يهرب من الساحة بل طلب الرجوع إلى البحرين، حيث ينتظره خطر جسيم، لكن سلطات الأمن بقيادة هندرسون رفض رجوعه، وهكذا انتقل قسرياً إلى بيروت، الساحة الوحيدة حينها المفتوحة أمام المناضلين العرب.

مرة أخرى وبدل أن يستقر في بيروت حيث الأمان النسبي، ليعيش مع عائلته التي غاب عنها طيلة فترة سجنه ولتلتئم العائلة مرة أخرى، لكنه انتقل قريباً إلى الساحة الساخنة ظفار.

قرية حوف

حمل عائلته إلى ‘’حوف’’ أقرب قرية إلى حدود ظفار، والقاعدة الخلفية للثورة العُمانية. وحوف أخطر من ظفار، حيث كانت عرضة للقصف المتكرر من الطيران البريطاني والبحرية العُمانية. لكن عبدالرحمن النعيمي أسكن عائلته مع عائلات الثوار العمانيين، وكان يغيب بالأشهر عنهم في عهدة الرفاق.

وهنا من المهم الإشادة بدور أم أمل مريم بنت عيسى التي تحملت مسؤوليات جسام سواء بوجود أبي أمل أو في غيابه.

لقد زرتها أيام كان معتقلاً في القلعة بالبحرين في مارس/ آذار ,1968 بعد أن شارك في مؤتمر دبي حيث تم تأسيس الحركة الثورية في عُمان والخليج العربي ولن أنسى رباطة جأشها وإلى جانبها أمل الصغيرة التي قاسمت أمها ومعها إخوتها خالد ووليد وسلوى وعائشة حياة المخاطر والآلام والترحل والغربة.

أمل هذه عاشت حياة المنفى والترحل، وهي أكثر من عانى من إخوانها وأخواتها في ظفار، التحقت بمدارس الثورة التي كانت تديرها الراحلة الكبيرة ليلى فخرو، مثلها مثل باقي أطفال ظفار، في ظل الحرب والخطر.

أذكر هنا أن أبا أمل ربى أبناءه على الوطنية والكرامة والشجاعة. أمل وهي من سن الـ 16 حسب ما أعتقد، توجهت إلى البحرين من سوريا حيث تعيش العائلة بورقة مرور يمنية في محاولة للعودة إلى وطنها، مع إدراك حجم المخاطر المحيطة بذلك وإمكان الانتقام من أبيها من خلالها. لكن استخبارات هندرسون اعتقلتها في المطار ثم أبعدتها إلى سوريا مثلها مثل كثير من المواطنين البحرينيين حينها. قدر لي أن أعايش أم أمل في محطات المنفى المختلفة في أبوظبي، في بيروت في عدن في حوف، وأخيراً في سوريا قبل العودة إلى البحرين. في كل هذه المحطات كنت أعتبر بيت أبي أمل وأم أمل بيتي، وبالفعل سكنت في بيتهم في سوريا لأكثر من سنتين. في عدن كان بيتها مزاراً للمناضلين في صفوف الثورة العُمانية من عُمانيين وبحرينيين وعرب. وبالطبع الأصدقاء اليمنيين وعائلاتهم. وعلى رغم محدودية مخصصات الجبهة فقد كانت تتقاسم معهم المقسوم.

في حوف حيث المحطة الأخطر، كانت عائلة النعيمي أم أمل وأمل وخالد ووليد تتقاسم بيتاً طينياً مع عائلة حسن رجب. حوف من أخطر مواقع الجبهة، وقد تعرضت أثناء وجود عائلة أبي أمل فيها لأكثر من غارة جوية وبحرية واستشهد فيها الكثيرين وجرح الكثيرين من مقاتلي الجبهة والمواطنين العُمانيين واليمنيين العاديين.

وتحت الإلحاح الشديد من قيادة الحركة الثورية والجبهة الشعبية وافق أبو أمل على نقلهم إلى عدن، حيث استقروا حتى انتقال أبي أمل إلى دمشق.

سجون دمشق

نعم كانت دمشق محطة آمنة، ولكن ليس الأمان الكافي، ففي سبتمبر/ أيلول 1990 جرى اعتقاله من قبل الاستخبارات السورية بعدأ اتخذت الجبهة الشعبية في البحرين موقفاً حازماً ضد الاصطفاف العربي وراء القيادة الأميركية لحرب تحرير الكويت، والحقيقة أن الجبهة رفضت وأدانت الغزو العراقي للكويت، لكنها أصرت على اعتبارها قضية عربية يجب حلها عربياً. وكان أبو أمل من أعلى الأصوات العربية إدانة للتواطؤ العربي مع الأميركان، ووقع عدد من الشخصيات العربية البارزة مثل جورج حبش مذكرة موجهة إلى الرئيس السوفياتي الأسبق غورباتشوف قبيل اجتماعه مع الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغن في مالطا ضمن الجهود الأميركية لتشكيل اصطفاف دولي قبيل اجتياح الكويت وجزء من العراق، يطالبونه فيها بالوقوف ضد الحرب الأميركية المرتقبة.

كما أن اجتماعاً لحركات التحرر العربية المتواجدة في دمشق قد عقد في مكتب الجبهة الشعبية في البحرين في دمشق لمناقشة الموقف من الحرب المرتقبة وكان موقف الجبهة كما عبر عنه أبو أمل واضحاً وهو معارضة التورط السوري في هذه الحرب والتواطؤ العربي وراء القيادة الأميركية، وقد عرفنا لاحقاً أن أحد البعثيين العراقيين، نقل تقريراً كاملاً بمجريات الاجتماع وموقف أبي أمل في الاجتماع.
وبعد 3 أيام جرى اعتقاله واستمر اعتقاله حتى 2 سبتمبر/ أيلول في فرع فلسطين للاستخبارات وسجنه لأكثر من 6 أشهر. عمدت الاستخبارات السورية إلى تعريضه لتعذيب نفسي وحاولت مساومته بإصدار تصريح يتناقض مع موقفه ويدعم الموقف السوري لكنه رفض بإباء. وبقي في السجن 6 أشهر.

تدخلت قيادات عربية منها الدكتور جورج حبش وأحمد جبريل وجلال الطلباني وحسن علوي لإطلاق سراحه. وهنا أود أن أشيد بموقف الصديق حسن العلوي، والذي على رغم كونه قيادياً عراقياً معارضاً يختلف مع أبي أمل في موقفه تجاه الحدث الكارثة، إلا أنه عمل بإصرار ومثابرة مستثمراً علاقاته الجيدة مع القيادة السورية خصوصاً قائد الاستخبارات العسكرية العميد حسن خليل، ونجح في إقناعهم بإطلاق سراحه، وأخذه في سيارته من مكتب العميد حسن خليل إلى بيته، والذي شهد حواراً ونقاشاً بين الثلاثة، عرفنا من خلاله أن السوريين يضيقون ذرعاً بمواقف الحبهة العربية، ولا مانع لديهم من استمرار وجودنا بدمشق ولكن بالاقتصار على الشأن البحريني، أثناء محنة الستة أشهر كنت وسائر الرفاق على تواصل مع أم أمل والعائلة، وقد ساعدنا الدكتور محمود ضرغام، عضو القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي في الحصول على تراخيص زيارة لأم أمل فقط. كنت أرافقها إلى فرع فلسطين التابع للأمن السياسي.

مرة أخرى أظهرت أم أمل رباطه جاش وصبر طيلة الستة أشهر. لن أنسى موقفاً مؤثراً، لقد ذهبت مع أم أمل لزيارته في إجازة 14 أكتوبر/ تشرين الأول في ذكرى حرب أكتوبر بترتيب من محمود ضرغام، وفوجئنا برفض الزيارة، وعندما استفسرنا اجبنا بأن الرفاق في المخابرات سيخرجون في مسيرة، وبالفعل ما هي إلا دقائق حتى خرج المئات يهتفون للحزب والقائد والثورة. وضعت وجهي بين يدي وانتحبت لهذه المفارقة المحزنة. لكن أم أمل هدأت من روعي بكلماتها القوية المشجعة.. أخذتنا سيارة يقودها عنصر مخابرات إلى بيت أبي أمل وفي الطريق أفرغت غضبي على المخابرات لغدرهم بأبي أمل وهو ضيف على بلادهم وأم أمل تحاول تهدئتي خوفاً علي من مصير مشابه لأبي أمل.

عبدالنبي العكري – الوقت – بروفايل – Ù£ مايو ٢٠٠٧

Back to Top