مـن دالاس إلى دمـشق

في صباح دمشقي وقفت الصبية القادمة من ابعد بقعة عن هذا الوطن أمام باب تلك الشقة المتواضعة في احد أحياء الشام المعروفة.. لم تكن تعرف سبب نشاطها المتقد في ساعات الصباح الأولى بعد يوم سفر طويل حملها من مدينة دالاس في تكساس إلى سوريا مرورا عبر مطارات وطائرات قبل أن يصبح السفر مجرد رحلة يومية بين الجهات الأربع..

وعندما ضغطت على جرس الباب كانت مدركة انه أو انهم لن ينزعجوا أو هكذا قال لها الرفاق فباب بيته مفتوح ليلا نهارا.. في ساعات النهار الأولى أو الدقائق الأخيرة من الليل.. كانت قد سمعت عن هذا الرفيق، القائد، المناضل، المقاتل،.. تكثر العبارات التي كان يوصف بها وقد تفنن ‘’رفاقنا ‘’ في تلك الآونة كما الآن في خلق الأوصاف فيه ربما محاولة لمنحه الهالة التي يحب الكثير من معتنقي السياسة أن يضيفوها على قيادتهم.. أو ربما وربما وربما تعددت الأسباب والنتيجة واحدة ..كان يكفيهم إن يقولوا ‘’أبو أمل ‘’ الإنسان.. هذا يكفي لوصفه.. هذا ما تعلمته منه.. هذا ما أدهشني منذ ذلك الصباح الدمشقي الندي أي قبل أكثر من عقدين من الزمان..

كان بإمكان الصبية القادمة من بلاد تسكن على بعد فرسخ من مدرسة النضال الأميركية اللاتينية ان تنبهر بأي من يحمل شعره بعض من وقار شيب الثورة ويرسم تلك السحنة التي تضفي هالة من الغموض المثير على وجهه..

كان بإمكاني انا القادمة من بحار بعيدة.. المنفعلة بتأثير العمر ربما والمرحلة وكثير من ذكريات طفولة كانت فيها صورة عبدالناصر القائد أكثرها حدة حتى اليوم.. كان بإمكان تلك الفتاة ان تأخذ في تقديس ذلك القائد كما فعل ويفعل الكثيرون من الرفاق والرفيقات حتى يومنا هذا.. لا ألومهم فهم لم يعرفوا من النضال أو من أبو أمل إلا فكره وسنين عمره التي قضاها بين جبال صلالة وأزقة المدن العربية التي كانت أكثر دفئا من كثير من الأوطان التي ندمغ بها أو نسمى عليها.

منذ ذلك الصباح الدمشقي وأبو أمل أكثر إنسان دخل حياتي ليبقى، ومنذ اليوم الأول لي.. بل منذ اللحظات الأول من ذلك الصباح وانا أسيرتها ورفيقة دربه.. صديقته وزوجته وأمه وابنته وأخته وكل النساء.. كل ما تمثله الأنثى لرجل مثله.. أم أمل..

لمخزون الذكريات معه ومعها الكثير ولكنني اعتقد بأن صديقي الديري عندما ارسل لي تلك الرسالة على هاتفي النقال ليحثني على فعل هربت منه منذ نبأ مرضه.. ذلك العدو الذي لا يحسب له كثير من البشر مثل أبو أمل حساب.. ففي زحمة الاحداث اليومية والتاريخية يبدو المرض او عكسه الصحة مجرد تفاصيل.

ماذا فعلت بي ايها الصديق ؟؟ فإلحاحك فجر ينبوع من الذكريات، واصرارك دفعني لان أفاجىء نفسي بنفسي وانا اقفز من سريري في نفس تلك الساعة ربما قبل عشرين عاما او اكثر عندما مددت اصبعي لأنقر جرس باب بيته.. بيتهم.. الذي اصبح بيتي لاكثر من اسبوعين..

لا ادعي بأنني الاقرب لابو امل ورفيقته.. ولا حتى لامل التي اعشق عشقها لهما واصرارها على الامل كما هو حال والدها في زمن اصبحنا ننبش في التفاصيل.. وفي نفايات الايام الخوالي لنجد بصيصا منه..

لا ادعي لأن هناك كثيرين غيري يريدون ان يتنافسوا على هذا اللقب.. هم الاقرب له.. عرفوه اكثر.. عاشوا معه لحظات اطول.. ناضلوا معه.. وقفوا معه.. ناموا واستيقظوا وقرأوا واتفقوا كثيرا واختلفوا قليلا وهم الاكثر قربا من القرب لام امل ولاسرته..

لا ادعي فمعه ومعهم اكره ان اكون جزءاً من المتنافسين في بورصات المشاعر.. اكره ان اكون جزءاً من الجوقة مع اعتذاري لهم جميعا.. ففي هذه اللحظات لا مساحة للنفاق الاجتماعي الممزوج بعسل ذكريات ايام ظفار او بيروت او حتى ذلك البيت المتواضع في دمشق..

لا ادعي وهو.. هو الذي يرقد الان في مستشفى بالرياض وكان قبلها في الرباط، حيث احتضنته المدن العربية كما كان هو العربي.. الانسان.. الذي وببساطة شديدة مارس ما يؤمن به وهي صفة قليلة جدا بيننا جميعا.. من دون استثناء.. نساء ورجالا.. مناضلين، معارضين وموالين.. كلنا نتساوى في ممارسة عكس ما نقول. كلنا مصابون بمرض الانفصام الدائم.. كلنا.. نعم كلنا.. هل تتذكرون مظفر النواب عندما قال ‘’.. ولا استثني منكم أحدا’’ تبدو عبارته هذه صادقة اليوم خصوصا ونحن ننظر الى هواتفنا النقالة.. نحن المنتشرون في مدن الكون كما كان ابو امل.. نحمل بداخلنا جزءا من عدن الثورة وبعضا من بيروت الحرية وكثيرا من دمشق المنفى.. نبقى اسرى الرسالة القادمة من امل او عائشة او مريم او احدى الصديقات المقربات او البعيدات.. كلهم، كلنا نترقب كلمات تقول ‘’خففوا عنه الاوكسجين.. بدأ يعتمد على نفسه في التنفس..’’ ونتسأل متى كان إلا كذلك.. انسان يعتمد على نفسه وعلى بشر حقيقيين مثله..

تبدو الكتابة عنه تجربة غاية في الصعوبة.. مناورة تخاف ان تنزلق فيها الى سلم التزلف الرخيص.. او البكاء الضعيف.. او التباكي المخيف. وفي الوقت ذاته لا تستطيع سوى البقاء في مساحة أبو أمل الإنسان.. لا تستطيع ان تخرج من هذه الدائرة.. لا يعنيني أن يكون أبو أمل جيفارا الخليج او العرب.. لا يهمني ان اعقد مقارنة بينه وبين مناضلين عرباً من الرباط، حيث اسقطه المرض الى عدن التي تحولت من منبع الثورة إلى نبع للفقر المغمس بالذل..

هو فقط هو أبو أمل الإنسان..

هو حقا الإنسان في أجمل وابسط صوره.. عندما تستمع له لا تنبهر بحجم التجربة والمعرفة والفهم السياسي والتحليل للواقع بل بفائض البساطة المتناهية والنادرة.. بتواضع البحريني الحقيقي.. هو أحيانا رجل من كتب التاريخ الانساني المعاش.. احد الذين كنت تلقاهم على دكة قهوة محمود بفريجنا في المحرق، حيث للحديث نكهة كنكهة الشاي السنجين.. وتارة احد من قرأناهم في كتب السياسية، ومرات رجل كما نحب أن يكون الرجال في زمن شحت فيه الرجولة (بتأنيثها وتذكيرها).. محب، متواضع، متساوي، وغير متسلط..

هذا هو أبو أمل الذي افتقده اليوم بشدة.. هذا هو الذي كلما سمع إن احدهم أو إحداهن مريضة ترك ما بيده ليكون اقرب من المرض لأصدقائه ورفاقه، لأجيال كانت معه وأخرى جاءت بعده أو قبله.. لا مساحة للعمر في حضوره ولا للتجربة.. لا ينهي الخلاف في الرأي بتسلط المتمرسين في التمترس خلف التجربة، بل يبقى يستمع حتى آخر قطرة كلمة.. هو الذي علمنا فن الاستماع.. ألم يقل ذاك الأديب انه احتاج ثلاث سنين لتعلم الكلام وستون عاما لتعلم السكوتّ.

أبو أمل.. نفتقدك بشدة على رغم حضورك الدائم معنا وبيننا..

أبو أمل.. لن يكون المرض اشد من قسوة جبال صلالة.. أو رطوبة مدن المنفى..

أبو أمل.. افتح عينيك لأن فيهما أملنا جميعا..

أبو أمل.. هناك كثير من الحب لك ينتظرك عند منعطفات الأيام المقبلة..

أبو أمل.. أعود إلى هاتفي النقال الذي أحببته منذ ان أصبح وسيلة بيني وبين الغالية أمل وبينك..

أبو أمل.. هكذا أحب أن أناديك وسأبقى..

أبو أمل.. لازال في مخزون الذكريات كثير منك وعنك

خولة مطر – الوقت – بروفايل – Ù£ مايو ٢٠٠٧

Back to Top