عبدالرحمن النعيمي – الشيخ الصغير.. أرشيف الكلام

لا يرفع رأسه حتى يسبقه صدره. في جلسته شيء من نهوض الحمام، إن لم يكن النهوض كلّه. يقظ. ممتلئ بالكلام. أرشيف شفهي من سِير الذين مروا به، ومرّ بهم على طبقاتهم. فيه شيء من وهج نضال جزيرة المحرق القومي. كأنّه يذكر به، ويراه البعض فيه. يشبه معجم لغةٍ حيّة لا تملّ توليد الكلام. في لقائي الأوّل به بعد عودته إلى البحرين العام 2001 تحدّث في جلسة أكثر من 45 دقيقة في جزئية يسيرة في جواب له على سؤال صغير. لم يكن مملاً، فأرشيفه الشفهي يهبه قوة التنقل، وتوثيق حركاته في الكلام. أليس الأرشيف قوة؟ قيل انّ أرشيفه نوعان: شفهي ومكتوب، وإنّه أرشيف نصف قرن للحركة السياسية في البحرين يحيط به، وإنّه يتسع للحركات الوطنية الأخرى في العالم العربي، وقيل إنّه يتحرك في أرشيف منظم يهبه نظام الكلام. من أين له كلّ هذا الأرشيف من الكلام؟ كيف يتراكم الأرشيف في الشخص؟ كيف فعل عبدالرحمن محمد النعيمي (65 عاما) ذلك؟ إلى أين سارت به رغبات أبيه؟

في التسجيل الذي قامت به نشرة ‘’الديمقراطي’’ لذكرياته، ومنذ العدد25 الصادر في أغسطس/ آب 2005 أظهر النعيمي براعتين: الأولى قدرته على استدعاء أرشيفه، وكثرة استطراده، والثانية نزعته إلى بيان قدراته في الأرشيف السياسي والحركي وكل العلاقات التي تكون بين سلطتين إحداهما ضعيفة. إنّه يستطرد ويستطيل في الكلام، متمكن في أرشيفه، وبه.

ولد النعيمي في عائلة متدينة، يؤمّ عائلها الحاج محمد النعيمي الناس في بعض الصلوات في مسجد المرحوم جبر المسلم في منطقة ‘’الحدّ’’ بالمحرق. أظهر الابن الصغير قدرة لافتة عندما استطاع قراءة القرآن الكريم في شهري عطلة صيفية. ما كان الأطفال حينها يحسنون ذلك. تمنى الحاج محمد لولده مستقبلاً دينياً باهراً فأخذه معه في أربعة مواسم للحج. ولكي لا يحتسب مقاول الحج الشرقي محمد المرزوقي أيّة أجرة على قبول الحاج محمد في حملته إلى مكة والمدينة أوكل إلى الصبي ‘’عبدالرحمن’’ مهمّة الطواف بالحجاج، والسعي بهم بين الصفا والمروة في مكة المكرمة، وزيارة قبر الرسول (ص) في المدينة المنورة. ولا يتمّ تكليف أحد بذلك ما لم يكن حافظاً لكل أدعية تلك المراسيم، والطقوس الدينية. كان ‘’عبدالرحمن’’ يُحسن ذلك. يحسن القيادة صغيراً ولم يتجاوز عمره 9 أعوام.

إلى مكة المكرمة

كان العام 1952 موسم الحج الأول لعبدالرحمن، وثورة يوليو/ تموز 1952 في مصر. الديار المقدسة تسع الجميع. قليل من الحجاج، ولا يصعب عدّ الخيام في منطقة (منى). وفي لحظة رمي الجمرات شاهد كثيرون الرئيس المصري محمد نجيب الذي تولى حينها السلطة. لم يبرز شخص عبدالناصر بعد.

لم يفلح والده الحاج محمد في إدارة تجارته الصغيرة التي غالبا ما تكون في سوق ‘’الشريطية’’ في الظهران، لكنه أفلح في تهريب الأسلحة للشيخ خزعل بن جابر الكعبي العامري (1862- 1936) العام 1925 ليقوى بها على مناهضة رئيس وزراء ووزير الدفاع في المملكة القاجارية رضا خان بهلوي الذي غزا عربستان (الأهواز) في تلك الفترة واحتلّها في معركة غير متكافئة، فغادر خزعل إلى البصرة.

سوق الشريطية

فشل الحاج محمد في التجارة ولم يفشل في تخطي خطوط ونقاط الجمارك البحرية بسفينته التي تتعطل أحياناً ساعات في عرض البحر بين ميناءي المنامة والخبر، فيبقى ‘’عبدالرحمن’’ وأبوه وبقية العاملين منتظرين حكمة محترف الصيانة.

انتهى سوق ‘’الشريطية’’ في السبعينات. لم يبق منه غير سيرة تجار بحرينيين صغار يحملون بضاعتهم الصغيرة إلى سوق تحدد صناديق خشبية شكله وحدوده. لم يكن في السوق دكاكين. رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ساهموا في إنهائه، وتفننوا في صناعة أرشيف من الحوادث لا ينساها تجار البحرين. صنع الحاج محمد من تجارته علاقات جيدة مع شخصيات بارزة في المنطقة. المواصلات البطيئة تعرفك بالناس أكثر.

الشيخ الصغير

في العام 1948 أقنع الحاج محمد المرحوم الأستاذ يعقوب القوز مدير المدرسة الابتدائية الوحيدة في منطقة ‘’الحد’’ بقبول ولده تلميذاً فيها. كان عمر عبدالرحمن خمس سنوات. سيرته الدينية الصغيرة جهة أبيه، ورؤية أستاذ اللغة العربية المصري في المرحلة الثانوية. سار الأستاذ في جهة الوالد ‘’سيكون هذا الطالب رجل دين من الطراز الأّول’’. كان الأستاذ يتفنن في صياغة نعوت تنال من جمال عبدالناصر. الأستاذ من حركة الإخوان المسلمين.

راح الأستاذ الإخواني يرعى عبدالرحمن. فترة وجيزة جداً على افتتاح الإذاعة المدرسية. أعدّ الأستاذ للشيخ الصغير برنامجاً إذاعياً ليلقيه حول ذكرى الإسراء والمعراج. كان ذلك العام .1956 أي بعد عامين فقط على تأسيس الهيئة التنفيذية العليا التي اتخذت من المدرسة الثانوية معقلاً أساسياً لأنشطتها. لكن الجهة الدينية للشيخ الصغير، وصغر سنه حالا دون اقترابه من ما نشط من أولاد الهيئة.
الشيخ الصغير لم يبق مبتعداً كثيراً عن الحماس القومي الذي كان يملأ المنطقة كلّها. فبعد اندلاع حرب السويس في نوفمبر/ تشرين الثاني 1956 نشط راديو صوت العرب، وراح مذيعه المتمكن أحمد سعيد يشعل الناس حماساً وثورة، فخرجت مظاهرة شعبية غاضبة في المدرسة الثانوية بالقضيبية، راحت تجمع أصواتها من المدارس الأخرى: الغربية، ثم الشرقية في منطقة رأس رمان. اتجهت المظاهرة تحمل النار إلى بيوت الإنجليز في المحرق. أحرقت بعضها قبل أن تنتهي في منطقة ‘’الحد’’.

رأى الشيخ الصغير كلّ ذلك. لم يكن الحماس فيه صغيراً. وفي منتصف الليل رأى أول حادث اعتقال سياسي لجاره ‘’السيد محمد’’. يقول النعيمي ‘’جاء المستثار بلجريف راكبا حصانه وفريق عهد إليه مهمّة الاعتقالات إلى منزل جارنا السيد محمد واعتقلوه. كان الوقت منتصف الليل. والسيد محمد من نشطاء الهيئة. رأيت كلّ ذلك من سطح بيتنا’’. لم تشغل السياسة الشيخ الصغير، لكن حدث الهيئة بدأ يؤسس أرشيفاً سياسياً يستدعيه كلما لزم الأمر. اهتم بدراسته على ضوء الفنر. لم تصل الكهرباء إلى ‘’الحد’’ بعد. وليس في غير سطوح المنازل متسعاً للنوم، وطمعاً في قليل من الندى يتساقط على فراش صغير.

؟ مقطع من بروفايل ترشيح السيرة 2 ديسمبر 2006

حسين المحروس – الوقت – بروفايل – Ù£ مايو ٢٠٠٧

Back to Top