في الذكرى الأولى لرحيل الذوادي

Abduljalil Al-Noaimi
عبدالجليل النعيمي
في مثل صباح يوم أمس من العام الماضي صدر في المنامة بيان حزين للمنبر الديمقراطي التقدمي نعى فيه إلى شعب البحرين وكافة المناضلين من أجل الديمقراطية والتقدم الاجتماعي في منطقة الخليج والعالم العربي رئيسه السابق والشخصية الوطنية التقدمية البارزة أحمد إبراهيم الذوادي. في الرابعة والنصف من فجر ذلك اليوم توقف عن الخفقان قلب خفقت له القلوب.

وبقدر ما يسجل العقد الأول من الألفية الجديدة مخاض الإصلاحات السياسية بمدها وجزرها، فإنه يسجل أيضا غياب مساهمين بارزين في وضع الأساس للتحولات التي نعيشها اليوم. ففي العشرين من فبراير/ شباط 2005 فقدت البحرين آخر من بقي من قياديي أول حركة إصلاح وطنية في العام ,1938 ومن الأعضاء الثمانية للهيئة التنفيذية ”المركزية” لهيئة الاتحاد الوطني (1945 – 1956) المناضل إبراهيم محمد حسن فخرو. كما فقدت البلاد أحد رواد الحركة النقابية، عنوانه البساطة والعمل هو حميد إبراهيم عواجي، وصاحبة الأثر الجلي في بشر وحجر البحرين وعمان ورمز التواضع ليلى عبدالله فخرو. وودعت البحرين القائد البارز في نضالات التسعينات من أجل الديمقراطية ووحدة الشعب رجل الدين الجليل الشيخ عبدالأمير منصور الجمري. وتوقف عن عطائه النضالي القائد الوطني البارز ورئيس جمعية العمل الوطني الديمقراطي المناضل عبدالرحمن محمد النعيمي عجل الله شفاءه.

من ابراهيم فخرو ورفاقه إلى أحمد الذوادي ورفاقه انتقلت الحركة الوطنية من مرحلة النضال العلني بقيادة الهيئة إلى مرحلة جديدة من النضال السري دشنتها ”جبهة التحرير الوطني البحرانية”. وكان أحمد الذوادي أمين عام الجبهة الذي قاد نضالاتها من السرية في الخمسينات والستينات وشبه العلنية في السبيعنات ثم السرية في الثمانينات والتسعينات ومنها إلى الحياة الحزبية العلنية في أوائل هذا القرن بمسمى المنبر الديمقراطي التقدمي. وفي هذه الفترات مثل الذوادي حزبه من داخل أوكار العمل السرية أو زنازن القلعة وجزيرة جدة وسافرة وجو، أو في مكاتب الجبهة في القاهرة وبيروت ودمشق أو في لقاءات ومؤتمرات الأحزاب الشيوعية والعمالية العربية والعالمية وفي حركة السلم العالمية والتضامن بين الشعوب.

كانت أسلحته في كل تلك المعارك قلمه الذي لم يتوقف عن الإبداع حتى آخر شهرين من حياته، وقدراته التنظيمية والإيحائية الكبيرة وصبره الجميل. وبذلك كسب احترام رفاقه في الحزب وفي القوى الوطنية الأخرى. وبعد عودته إلى البلاد وطفو حزبه إلى العلن لم يترك ”المنبريون – الجبهويون” لعذابات الماضي أن تؤثر سلبا في موقفهم الداعم لمشروع الإصلاحات الذي أطلقه جلالة الملك باعتبار أنه التقاء للإرادتين الشعبية والملكية على الطريق المؤدي للمستقبل الديمقراطي. انطلاقا من تجربته الذاتية ومن تجارب الأحزاب الشقيقة العربية والعالمية في مثل هذه الظروف قرر المنبر وبلا تردد المشاركة في الانتخابات البرلمانية العام ,2002 بالضبط كما في فعل في أول انتخابات برلمانية جرت العام .1973 وقد مثل الذوادي وقاد خط حزبه هذا بكل أمانة وإصرار. وبذلك كسب احترام جلالة الملك كما كسب احترام الشعب قبلا. وبين هذا وذاك لم يفقد المنبر أو قائده توازنهما السياسي الداخلي يوما. فقد توجه بالنقد اللاذع أينما كان هناك ما يعتقده خطأ، سواء من جانب الحكم أو المعارضة. و”لولا موقف المنبر الديمقراطي” – يقول رئيس هيئة تحرير ”الوقت” الكاتب إبراهيم بشمي في مقالته عن الذوادي في 9 يوليو/ تموز 2006 ? ”ومشاركته في هذه التجربة وإعطائها المصداقية من قبل فصيل وطني يساري لا يستطيع احد أن يُخوّنه أو أن يزايد عليه في تاريخه أو في نضالاته.. لما تم اتخاذ مثل هذا الموقف”.

ظلت عينه كعين حزبه مركزة على هموم وآمال الطبقة العاملة وسائر الكادحين. وفي خطابه أمام أول مسيرة علنية حاشدة نظمها المنبر الديمقراطي بمناسبة العيد العالمي للعمال، الأول من مايو/ أيار 2002 أكد دعم المنبر لجهود تشكيل الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين، وهو ما تحقق. وفي هذه المسيرة رفع المنبر مطلب اعتبار الأول من مايو/ أيار يوم عطلة رسمية في المملكة، وهو ما تحقق بمرسوم ملكي. كما دعا في ذلك الخطاب إلى وضع قانون لضمان الحد الأدنى للأجور، الذي مايزال مهمة نضالية ماثلة أمام النقابات والأحزاب والبرلمان.

وظلت عين ”أبي قيس” فاحصة لأداء كبريات المؤسسات الاقتصادية في البحرين. متأثرا بحادث سقوط طائرة ”طيران الخليج” عاد إلى البحرين حاملا هم إصلاحها، فألهبها بسياط النقد ليس من أجل أن تكون مرات الإقلاع مساوية دائما لمرات الهبوط فقط، بل ولمحاربة الفساد الذي ألحق الضرر والخسائر بهذه المؤسسة بعد أن كانت مربحة وذات سمعة حسنة في السبعينات. ومايزال البرلمانيون والأحزاب والنقابات منشغلة بملف هذه المؤسسة الوطنية الذي أصبح مفتوحا بكل جدية.

وفي مختلف الظروف ظلت دعوة المنبر إلى وحدة الحركة الوطنية وإلى المعارضة الوطنية في إطار الوحدة الوطنية الشاملة مترافقة مع الوقوف بصلابة ضد أشكال التمييز والنعرات الطائفية والتطرف السياسي والتضييق على الحريات السياسية ونهم المفسدين في الاستحواذ على أراضي وثروات البلاد كافة. وقد جلب ذلك على المنبر، إلى جانب الاحترام، عدم رضا قوى في الحكم والمعارضة تضافرت لمعاقبته والحيلولة دون فوز بعض مرشحي المنبر في الانتخابات البرلمانية .2006 ومع ذلك فإن لخط المنبر الذي مثله وقاده الذوادي حضوره البارز في النقابات وجمعيات المجتمع المدني، في الصحافة والاقتصاد والقانون والطب والأدب والفن وفي مناحي حياة المجتمع البحريني اليومي كافة.

سيرة حياة أحمد الذوادي تحكي سيرة كثيرين من رفاق دربه النضالي. إنه نتاج حزبه قبل أن يكون قائده. إنه في الوقت ذاته ابن وأب الحزب ومحصلة عقله الجماعي الإبداعي. وبهذه المعاني أصبح الذوادي شخصية وطنية من طراز خاص.

* كاتب بحريني – عضو اللجنة المركزية لجمعية المنبر التقدمي

2 Responses to “في الذكرى الأولى لرحيل الذوادي”

  1. سعيد الكثيري
    25.Oct.'10 at 10:31 #

    بعد التحية..
    ارجوا ان تزودوني بصور ماما هدي (ليلي عبدالله فخرو) رحمة الله حيث كنت اح طلابها بالمدرسة التابعة ثورة ظفار
    ولكم كل الشكر

    Thumb up 0 Thumb down 1

  2. mahmood
    25.Oct.'10 at 11:29 #

    تفضل يا أخي الكريم. سأبحث عن صور أخرى و سأوفرها لك قريبا انشاءالله.

    Thumb up 0 Thumb down 0

Leave a Reply

Connect with Facebook

Leave your opinion here. Please be nice. Your Email address will be kept private.