لابد من تخليد ذكراهم.. فهم مدارس في النضال الوطن

الوقت – أحمد العرادي:
في مثل هذا اليوم من العام الماضي، غيب الموت أحد قادة التيار الديمقراطي التقدمي في البحرين ممن بذل سنوات حياته من اجل الوطن والشعب زاهدا في الحياة الرغيدة.
أحمد الذوادي أو كما يعرفه رفاقه باسمه الحركي (سيف بن علي) الذي توفي عن عمر ناهز 68 عاما بعد معاناة طويلة ومضنية مع المرض، كان قد أسس أول تنظيم سياسي تقدمي بحريني، غاب عن الوطن في التاسع من يوليو/ تموز من العام الماضي. يومها، اكتظت مقبرة المنامة بالمشيعين من مختلف الشرائح والتيارات السياسية لتودع رجلا قضى الشطر الأعظم من حياته أميناً عاماً لجبهة التحرير الوطني البحرانية منذ تأسيسها في العام 1955 وحتى تحولها إلى جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي في العام .2001
الذوادي الذي اختار طريقا وعرًا لا يسلكها إلا المخلصون من الرجال، قارع الظلم ومضى في حياته المليئة بالمتاعب والمشاق باحثا عن الديمقراطية والحرية بين غياهب السجون ومآسي المنافي والغربة بعيدا عن وطنه البحرين التي طالما تغنى به ليعيش حياته مناضلا ويموت مناضلا وهو لا يزال ممسكا بين يديه رسالة الحرية والديمقراطية دفاعا عن البسطاء من أبناء شعبه.
كان موعده مع العمل السياسي والنضال الوطني منذ ولادته عام ,1938 إذ كانت البحرين تحت الاحتلال البريطاني، وبزغ نجمه السياسي مع حراكه في تأسيس جبهة التحرير الوطني البحراني حينما اجتمع وأصدقاؤه في مؤتمر سري في فبراير/ شباط .1954
طرح الذوادي أول برنامج سياسي للجبهة عام 1962 يدعو فيه إلى الاستقلال ومحاربة الاستعمار وتحرير الاقتصاد الوطني وإقامة نظام ديمقراطي، حتى جاءت حوادث مارس/ آذار 1965 على خلفية قيام شركة نفط البحرين (بابكو) بفصل مئات العمال من الشركة، فطلب من الذوادي مغادرة البلاد، ولم يكن منه إلا التوجه إلى الإمارات ومنها كانت انطلاقته إلى بيروت التي مكث بها عامين قبل أن يعود مرة أخرى العام .1974
في العام 1972 رفض القائد، كما كان يطلق عليه رفاقه في الجبهة، المشاركة في المجلس التأسيسي العام 1972 ودعا إلى مقاطعته، لكنه عدل عن الاستمرار في مقاطعته مقررا المشاركة في المجلس الوطني العام .1973
لم تمض إلا شهور قليلة منذ وصوله لبلده البحرين حتى تم القبض عليه وزجه بالسجن منتظرا تدشين قانون تدابير أمن الدولة الذي تم تطبيقه بأثر رجعي على الذوادي ورفاقه، فبقي في المعتقل صامدا يتجرع مرارة الغربة في بلده خمسة أعوام قبل إطلاق سراحه العام .1979
موعده مرة أخرى مع الغربة بعد الإفراج عنه، فكانت الوجهة للمرة الثانية إلى الإمارات التي أقام فيها أربع سنوات ومن ثم إلى دمشق التي احتضنته طيلة العمل النضالي الذي أضحى توأما متلاصقا بشخصيته وحراكه إلى أن أطلق جلالة الملك المشروع الإصلاحي.
عاد الذوادي حاملا مرضه الذي أصيب به في العام ,1994 لكنه أبى إلا الاستمرار في رحلته النضالية ولم يستسلم للداء الذي أودى بحياته، فقد أسس جمعية المنبر الديمقراطي التقدمي وتسلم زمام الأمور فيها قبل أن يتمكن منه المرض شيئا فشيئا فيكون الوداع الأخير.
شريف: شارك في كل مراحل النضال السياسي
وقال الأمين العام لجمعية العمل الوطني الديمقراطي إبراهيم شريف السيد إن ‘’الذوادي عاصر 3 مراحل من الحياة السياسية بالبحرين، إذ شهد فترة الخمسينات حيث المد القومي وهيئة الاتحاد الوطني وتوحد الشعب تحت رايتها، وفترة الستينات والتحولات الاشتراكية وما تبعها من بداية السبعينات بأحداث متتابعة، وأخيرا التسعينات والأحداث التي شهدتها البلاد، فكان مشاركا فاعلا في كل تلك المراحل’’.
وأردف ‘’لقد آمن سيف بن علي (أحمد الذوادي) بضرورة وحدة المعارضة ولا يمكن أن ننسى موقفه مع الأغلبية ضد الأقلية التي لم تكن ترغب في التحالف مع التيار الإسلامي، إذ رأى أن من المهم تحقيق تحالف المعارضة على رغم الاختلافات، فهو مناضل تاريخي لم يتمكن النظام من شرائه أو تغيير ولاءاته فلم يمل ولم يكل حتى عندما تنحى عن الأمانة العامة لجمعية المنبر الديمقراطي التقدمي كان يقدم كل جهده من أجل الوطن’’.
وختم ‘’لا يمكن التنكر لما قدمه بن علي وبالفعل نحن بحاجة إلى تخليد هؤلاء الرجال فهم مدارس للنضال الوطني’’.
المحفوظ: جهوده محل تقدير لمن اتفق معه أو اختلف
من جانبه أكد الأمين العام لجمعية العمل الإسلامي (أمل) محمد علي المحفوظ أن ‘’الذوادي من الشخصيات التي قدمت الكثير من جهدها وصحتها وتاريخها يشهد على ذلك، فكان عطاؤه للبلد الكثير، إذ عاش متنقلا بين دول عدة يعاني من المصاعب والأثقال بعد أن حرم من لقمة العيش بين أهله طيلة تلك الفترة’’.
وأضاف ‘’حمل قضية شعبه مع بقية رفقائه من مختلف الأطياف السياسية ولا شك أن كل تلك الجهود لا بد من تقديرها على المستويات السياسية والحقوقية كافة، مما يصب من جديد في رصيده الوطني (…) فبغض النظر عما يؤمن به من توجهات سواء اختلفنا معه أم اتفقنا فلا شك أنه قدم جهودا حثيثة لتغيير الواقع السيئ بالبلد آنذاك وتبقى كل تلك الأعمال محل تقدير لمن اتفق معه أو اختلف’’.
الهزع: الذوادي والنعيمي توأمان
الأمين العام لجمعية الوسط العربي الإسلامي الديمقراطي جاسم المهزع اعتبر الذوادي ‘’من الطراز النادر والجنس الذي يكاد ينقرض فالمناضل لم يبع ولم يسلّم ولم يستسلم، فهو لم يبع قضيته، ولم يسلّم مبادءه ولم يستسلم في الدفاع عن ثوابته، بل كان نقيا طاهرا في ثوريته’’. وأردف ‘’عاش مؤمنا بقدرات هذا الشعب، مرددا أنه يستحق الديمقراطية ويستحق الحرية وفيه خير كثير كامن، لذا أتصور أنه التوأم الآخر لأبوأمل (عبدالرحمن النعيمي) وإن كان ثمة خلاف في الفكر السياسي بينهما، لكن الرجلين طراز نادر أصبحا بعيدين عنا، أحدهما غيبه الموت والآخر غيبه المرض’’.
وشدد على أن ‘’هذا الطراز لا يعوض، ولا يملأ مكانه بسهولة ويبدو أن الساحة السياسية تعاني من فراغ حقيقي بابتعاد هؤلاء الذين كانوا ينظرون للوطن كوحدة واحدة لا تتجزأ وشعب واحد لا ينقسم إذ أنهم بقايا الهيئة وها هم ينقرضون إلا من رحم ربي’’.
واسترسل ‘’الذوادي في عصره كان أمام طابور من الرجال الوطنيين وقد يكون ذلك هو العصر الذهبي للوطن وللنقاء الثوري، بينما تشهد الساحة في الوقت الراهن ساسة معظم نظراتهم أحادية الجانب من زاوية حادة تزداد في كل يوم ضيقا، ففي البرلمان كل ينظر لناخبيه أو دائرته وفي المناطق كل منهم ينظر لمدينته أو قريته فكأنما تأصيل للمذهبية السياسية الطائفية، وهو ما لم يكن موجودا عند الذوادي’’.
العالي: الذوادي نقطة التواصل والتلاحم والتجمع
أما نائب الأمين العام لجمعية التجمع القومي الديمقراطي حسن العالي فقد اعتبر ‘’الذوادي نقطة التواصل والتلاحم والتجميع بين القوى الوطنية، على رغم عدم معرفتي المباشرة به فقد اقتصر الأمر على لقاءات قليلة حين كان يزور بغداد، إذ كنت رئيس الاتحاد الوطني لطلبة البحرين هناك’’.
وتابع ‘’المعلومات التي أمتلكها من خلال تلك اللقاءات القليلة ومن خلال رفقاء دربه وما كتب عنه يمكن القول إن الذوادي يتميز بقدرته على جمع الوطنيين من مختلف القوى السياسية وزجهم في العمل المشترك بغض النظر عمن يقود العمل، وأعتقد أن ذلك ما نحتاجه بالفعل في خطابنا بالوقت الحالي إذا لطالما بحث عن القوالب المشتركة أكثر من الخلافات التي لا أتصور أن أيا منها استراتيجي الآن، وإنما خلافات بالاجتهاد لا غير كما حدث في قضية المشاركة والمقاطعة’’. وأوضح ‘’بقي هذا المناضل لآخر رمق في حياته يدعو للوحدة الوطنية ووحدة التيار الديمقراطي، ولو تحققت أمنيته لعمت الاستفادة حتى بالنسبة لنا في التجمع القومي الديمقراطي وسيكون بالفعل عامل قوة لا مناص، فالرجل كان مثابرا في العمل الوطني يتميز بنفسه الطويل في وقت نجد الآن عدد من الجمعيات أصابها الإحباط على رغم قصر مدة عملها وكأنما أضحى الإصلاح محالا’’.
الحليبي : على الحكومة تسمية المدارس والطرقات بأسمائهم
بدوره أوضح عضو المكتب السياسي والناطق الإعلامي لجمعية المنبر الديمقراطي التقدمي فاضل الحليبي أن ‘’الذوادي صفحات ناصعة من البياض لمناضل وقائد وطني وقومي وأممي احتذى به المناضلون البحرينيون ممن اتخذوه مثالا يواصلون على طريقته محاولة تعزيز الديمقراطية والحريات العامة بالبلد’’.
وأشار إلى أن ‘’المناضل صمد في السجون والمعتقلات والمنافي، فبصموده ورفاقه استمرت الحركة الوطنية فكان عمله تكريسا لتقاليد نضالية وطنية من أجل المطالبة بالحقوق إبّان الاستعمار البريطاني ومن ثم مرحلة الاستقلال الوطني (…) عزز ورفاقه الوحدة الوطنية فصنعوا نموذجا رائعا لتوحد الشعب البحريني الذي تصدى للمستعمر وأعوانه على طريق الاستقلال والحرية والعدالة’’.
وأكد أن ‘’هذا القائد لعب دورا كبيرا في تعزيز أواصر الوحدة بين كل القوى الوطنية بالبحرين والتصدي للنعرات الطائفية بالمجتمع، فتراثه ورفاقه يشكل نبراسا مضيئا في حياة شعب البحرين لا يمكن لمطلع في تاريخ العمل السياسي بهذا البلد إلا أن يقف احتراما لكل تلك النضالات (…) فبجهوده وجهود المناضلين الآخرين بدأت الأجواء الانفتاحية التي نعيشها’’.
وتابع ‘’تاريخ حركاتنا الوطنية ناصع لا يمكن التنكر له، فما قدمه هذا الرجل لا يمكن التنكر له مهما كانت المحاولات للتقليل من شأنه أو شأن الآخرين حتى وإن كان بأسلوب زرع النعرات الطائفية والفرقة بين أبناء الشعب الواحد، فلا مواصلة لفصيل سياسي إلا بالوحدة الوطنية، والذوادي الذي نحتفي بذكرى رحيله اليوم كان شعلة من النشاط الثوري الذي لم يكل يوما ولم يمل على رغم المعاناة الطويلة فكانت إرادته تحشد الهمم في نفوس المناضلين’’. ولفت إلى أنه ‘’كان نموذجاً للثوري الملتزم بمبادئ الحزب والشعب والوطن دون أن ينتظر أوسمة أو مكافأة أو حتى مديحا وثناء، بل طالما أنكر الذات من أجل هذا البلد وشعبه فأضحى عملة نادرة هذه الأيام، فأخلاقه العالية محل تقدير من الجميع’’. وشدد على أن ‘’المهم أن يكون الذوادي الآن بيننا، بأفكاره واتجاهاته التي طالما دعت إلى وحدة التيار الوطني الديمقراطي وعناصره، وتعزيز الحريات والديمقراطية ووقف كل ما من شأنه الإساءة لهذا الوطن من سرقات أو تجنيس أو تمييز، بل ويجب علينا جميعا مواصلة طريقه بحلحلة الملفات العالقة من بطالة وإسكان وغيرها من الملفات التي تؤجج الخلافات’’.
وطالب الحليبي الحكومة بـ ‘’تقدير كل المناضلين، فأقل تقدير يمكن أن ينالوه أن تتم تسمية عدد من المدارس والطرقات بأسمائهم عرفانا بتلك النضالات عبر التاريخ’’.

من أقوال رفقاء دربه:
محمد السيد : استطاع كسب الصغير والكبير بوده وحبه
كنا نتزود من إرادته الصلبة، وعزمه الذي لا يلين، كنت قريبا منه في الزنزانة، فكان دائم المواساة، يحدث الآخرين بتفاؤل ويشحذ هممهم من دون أن يشكو حاله، هو أخ وصديق ومفكر وسياسي من الطراز الأول، والأهم من كل ذلك أخلاقه العالية وتسامحه اللامحدود، فإذا عجزت كل الوسائل في كسب إنسان فإن الذوادي يستطيع كسب الصغير والكبير بوده وحبه وطريقته السمحة. وتابع ‘’كل من كان يتحدث إلى الفقيد لابد أن تسمعه يتحدث عن هذا الإنسان الوطني، فنجد كل من عاصروه أفصحوا عما تركه هذا الرجل من بصمة واضحة في قلوبهم، فسيبقى خالدا خلود الأبطال في قلوبنا، وخلود أول مايو وخلود التيار الوطني في البحرين.

جعفر الصميخ : حقق بوفاته ما لم يحققه بحياته
التقيته في معتقل سافرة العام 1977 فقد كان الرجل دائم المرح، كثير الود، ابتسامته لا تفرق وجهه البشوش، فهو مناضل من الطراز الأول، كنا نتسلى ببعض الألعاب البسيطة.
فكان يشاركنا اللعب، لكنه هادئ الطبع كان يبتعد عن الاستفزاز وكل ما يعكر صفو جو الإخوة الذي كنا بصدده، وأعتقد أنه حقق بوفاته ما لم يحدث في حياته، وهو لقاء يجمع كل التيارات الوطنية التي توحدت من أجل تشييعه قبل عام واجتمعت لإلقاء تحية الوداع على جثمانه، قبل دفنه’’.

محسن مرهون: كان يدس طعامه لنأكله نحن
نحن إخوة منذ أيام الصبا، واشتركنا في معاناة الاعتقال لسنوات طويلة وقد لمست طيلة الفترة التي ربطتني به ارتفاع قامة هذا الإنسان وصموده، وإذا كان غيري يبدي استغرابه من صمود الرجل أمام هذا المرض، فإنني لم أكن كذلك، فأنا على معرفة تامة برجولته التي لا يمكن إلا احترامها والإعجاب بها لقد قام بتربية جيل تلو جيل، على طريقة النضال راية وعلما، سنضل جميعا نستهدي به ونتبعه مادامت الوطنية تسري في عروقنا وفي زنزانة الاعتقال في القلعة العتيدة أيام تدابير أمن الدولة كنا في زنزانة (الكنارة) مع الفقيد ومع عبدالهادي خلف وقد طلبنا من العسكر أن يكون أكلنا في طبق واحد نحن الثلاثة، كان الأكل كثير الرز قليل اللحم، والفقيد كان يغافلني ويدس بعض اللحم في أكلي على غرار الإيثار الذي طالما تميز به، على الرغم من إحساسنا نحن الثلاثة بالجوع الكبير.

عباس عواجي: كان بلسما لجراحنا بشحذه الهمم في المعتقل
أول لقاء بيننا كان في برلين العام 1968 في مؤتمر مناصرة الشعوب، ومنذ ذلك اليوم توطدت علاقتنا فأصبحت بمثابة الروح من الجسد، كنت معه فترة السجن ننتقل من زنزانة لأخرى ولم نفارق بعضنا يوما واحدا، بل جمعنا تطبيق قانون أمن الدولة بأثر رجعي.
وعلى رغم ذلك كان يبتسم من دون أن تفارق هذه الابتسامة وجهه، أضربنا عن الطعام آنذاك لفترة 25 يوما، وانضم إلينا كل من عبدالواحد الشيخ، وعبدالهادي خلف، وعلى رغم قساوة الظروف إلا أن فترة الإضراب سارت بكل سلاسة وكأنها بلسم الجراح بسبب أحاديث الذوادي وشحذه للهمم فكلماته رنانة.

Share your thoughts

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.