Jassim Murad

الوقت – ١٢ يوليو ٢٠٠٧
Jassim Murad

اللاذع المعتدل والساخر المحترم الباقي على مسافة من الجميع
جاسم مراد.. هل هو ظاهرة في حد ذاته؟

الوقت:
أحمد العرادي
قد لا يحتاج جاسم مراد لكثير من التعريف، خصوصاً لأجيال من البحرينيين والتي تعرف كيف أن هذا الرجل اللاذع في انتقاداته أحيانا بقي على مسافة واضحة من الجميع. إنها المسافة التي جعلته على الدوام متميزا في مواقفه التي تتسم دوما بمزيج من الخروج عن المألوف والاعتدال.
وبعد رحلة طويلة من النضال السياسي إلى انتخابه عضوا في المجلس التأسيسي العام 1972 ونائبا في المجلس الوطني العام .1973 نشاطه لم يتوقف طيلة عقدين بعد ذلك، توارى جاسم مراد قليلا وشغل الساحة آخرون من معاصريه أو أجيال أخرى جديدة، لكنه بقي مثلما كان دوما: يعود إليه الجميع في الأوقات التي تبدو فيها المشكلات مستعصية على الحل، يطلب رأيه ويقدمه على الدوام مثلما يراه ويؤمن به مهما كان صادما لقناعات من طلب الرأي أصلا. يشترك في هذا المعارضون ومسؤولو الحكومة الذين قد لا تعجبهم صراحته لكنهم يحترمونها. وهو أمر يمتد حتى إلى خصومه الذين لم يسلموا من انتقاداته اللاذعة.
تحدث جاسم مراد على مدار سنوات، لكنه بقي شخصية يتعين العودة إليها من حين لآخر لأكثر من سبب. إنعاشا لذاكرة أجيال جديدة أولا، ولأن الرجل مازال يحتفظ بذلك الخليط من الجرأة في الطرح، لكن باعتدال أيضا وهو ما جعله صوتا متميزا في الساحة السياسية في البحرين يدفع البعض إلى اعتباره ظاهرة في حد ذاتها.
لقد خاض جاسم مراد المولود العام 1930 في المحرق العمل السياسي في خمسينات القرن الماضي، ومن تجربة أسهمت في تشكيل وعيه ووعي جيله وأجيال لاحقة من بعده، وتركت تأثيرها العميق على تاريخ البحرين الحديث لربما حتى اليوم.
يقول مراد ”البداية كانت مع الهيئة الوطنية والتي جاءت بعد مشادة طائفية مخططة مسبقا بين الشيعة والسنة في منطقة مأتم العريض في المنامة، وبدأت تتسع هذه المشادة حتى كادت أن تصل إلى مدينة المحرق (…)ØŒ غير أن أهالي المحرق واجهوا الفتنة واجتمعوا بقيادة المرحوم عبدالرحمن الباكر وقرروا إنشاء الهيئة بعد شد وجذب مع الحكومة من جهة والسلطات البريطانية من جهة أخرى”.
كان مراد الذي أكمل الثانوية العامة في مدرسة الهداية الخليفية بالمحرق، في تلك الحوادث خارج البحرين Ùˆ”سمعت عن هذه المشادة من خلال الأخبار والصحف في باكستان وهو ما أشعرني بالألم الذي سرعان ما تحول إلى فرحة بعد قرار إنشاء الهيئة الوطنية” حسبما يقول.
يضيف ”بعد عودتي من باكستان التحقت بأصدقائي بالهيئة بطلب منهم وتبرعت لهم بخمسين روبية (نحو خمسة دنانير حاليا) وسارت الأمور بين الهيئة من جهة والسلطة البريطانية والحكومة البحرينية من جهة، من تعاون أحيانا ومواجهة أحيانا أخرى (…)ØŒ غير أن السلطات البريطانية لم تكن ترغب في استمرارنا وبسبب شعورهم أن هذه الهيئة موجهة ضدهم وليست ضد الحكومة البحرينية بدأت الملاحقات والاعتقالات خصوصا وأن القرار النهائي كان بيدهم كسلطة احتلال في ذلك الوقت”.
يعتبر مراد -مثل كثيرين– أن سلطات الحماية البريطانية دفعت الأوضاع نحو المواجهة مع الهيئة التي كانت رقما لا يمكن تجاوزه في ذلك الوقت وظلت تحكم الشارع بقوة طيلة عامين من 1954 حتى .1956
يقول ”بعد سنوات قليلة من العمل الوطني والمواجهات بيننا وبين السلطة المحتلة وبعد محاولات من هذه السلطة سواء لاختراق الهيئة أو التحالفات الشعبية المنبثقة عنها وصلت الأمور إلى حالة من كسر العظم بين الهيئة والبريطانيين (…)ØŒ تم تلفيق التهم الباطلة لزعماء الهيئة ما أدى إلى القبض عليهم واعتقالهم”.
يتذكر ”زُج المناضلون في السجن وبدأت المحاكمات وكان على رأس المتهمين عبدالرحمن الباكر، حيث وجهوا لهم تهم إثارة الكراهية ضد البريطانيين وقيادة المظاهرات ضدهم خصوصا بعد العدوان الثلاثي على مصر في .”1956
يقدم مراد تفسيره الخاص هنا للاحتجاجات والمظاهرات التي سادت البحرين أثناء العدوان الثلاثي بالقول ”نظرا للأوضاع السائدة في البحرين في تلك الفترة، فإن الكل يعلم بما يحمله شعب البحرين من حس قومي وغيرة عربية وبالتالي كانت معظم المظاهرات عفوية لا تحتاج لتدبير وقيادة مثلما ادعت السلطات البريطانية (…)ØŒ غير أن المخابرات عمدت إلى التخريب وإحراق المنشآت وأذكر أنهم أحرقوا صحيفة (الخليج) وبعض منازل الضباط من أجل إيجاد المبرر لكل تلك الاعتقالات (…)ØŒ على إثر هذه الحوادث تدخل الجيش البريطاني لإخماد المظاهرات”.
يكشف مراد عن أمر ربما لا يعرف عنه كثيرون حتى من عاصروا تلك الحوادث عندما يقول ”بعد مسرحية المحاكمات التي جرت في البحرين تم الحكم على أعضاء الهيئة الرئيسيين بالنفي والسجن (…)ØŒ غير أن أهل البحرين في الخارج والداخل لم يكونوا بعيدين عن تلك المجريات (…)ØŒ فزميلنا ورفيقنا حسين البحارنة مثلا كان همزة الوصل بين مصر وبين أهل البحرين (…)ØŒ فقد كانت مصر تدفع إليه وهو من يقوم بتعيين المحامين لأجل الدفاع عن المعتقلين في السجون والترافع عنهم”.
عام السجن والمنفى
نال مراد نصيبه أيضا من تلك الفترة، حيث اعتقل في العام 1959 ”وصادروا الكتب والأوراق والوثائق، وحذائي ثم اعتقلوني وساقوني إلى السجن” حسب مراد.
يضيف شارحا ”بقيت في السجن الانفرادي إلى أن تدخل والدي وتدخل أحمد بن حسين الجلاهمة ووافقت السلطات على كفالتهما بشرط ألا أقترب من العمل السياسي بأي شكل من الأشكال وتم إبعادي إلى الكويت”.
ماذا فعلت في الكويت؟ يقول مراد ”حاولت العمل في التجارة لفترة من الزمن وقد عرض علي الأخوة هناك الاستقرار في مقابل حصولي على الجنسية الكويتية، لكن زوجتي لم تستطع البقاء وأصرت على العودة”.
يتابع معلقا ”نحن أهل البحرين نرتبط ارتباطا كليا بتراب أرضنا وبالتالي وبعد أن انقضت فترة إبعادي عدت إلى أرض الوطن وسمحوا لي بدخول بلدي”.
لكن تجربة السجن والنفي لم تقنع جاسم مراد بهجر السياسة التي ”كانت في دمي” مثلما يقول، لكنه اختار طريقا آخر لممارستها.
يقول ”لم أكن استطيع الدخول فيها بشكل مباشر لكنني لجأت إلى الأندية (…)ØŒ تسلمت رئاسة نادي البحرين وتزامن ذلك مع استفتاء الأمم المتحدة على البحرين بين أن تكون عربية وتحت حكم عائلة آل خليفة وبين ضمها إلى إيران”.
في هذا المنعطف التاريخي، ظهرت واحدة من أهم ما تتسم به شخصية جاسم مراد وفكره السياسي ”بالتأكيد لم أتوانَ عن التصويت لصالح عروبة البحرين، وأذكر أنني ذهبت إلى مقابلة وفد من الأمم المتحدة مع عبدالرحمن جمشير وكان ذلك في العام .”1970
عام البرلمان
ومن هذا المنعطف أيضا، انتقل مراد إلى تجربة جديدة عندما رشح نفسه لانتخابات المجلس التأسيسي الذي انيط به مهمة وضع أول دستور للبحرين وتاليا رشح نفسه لانتخابات المجلس الوطني العام 1973 وفاز أيضا ليبدأ مرحلة جديدة من نضاله السياسي.
عن هذه المرحلة يقول مراد ”ترشحت للمجلس التأسيسي وقد تم انتخابي (…)ØŒ في الشهور الستة الأولى شرح لنا حسين البحارنة ومعه خبير مصري الدستور (…)ØŒ اتفقنا على الدستور ثم أقسمنا على صونه وحفظه (…)ØŒ ترشحت مرة أخرى للمجلس الوطني ونجحت ودخلت المجلس مع رفاق دربي”.
الآن عندما سئل عن تقييمه لتلك الفترة، يقدم مراد رأيا يبدو انه ثمرة مراجعة لأن جرعة نقد ذاتي واضحة في هذا التقييم عندما يقول ”طرحنا تحت القبة البرلمانية كان متقدما ومتطورا أكثر من استيعاب الدولة وقبولها به (…)ØŒ بل إننا كنا نطرح بعض القضايا التي من شأنها لا إثارة الحكومة البحرينية وحسب وإنما إثارة الحكومات العربية القريبة أيضا”.
يسوق أمثله على تلك الأطروحات بقوله ”قضية القواعد البريطانية أو ميزانية الدولة ووزارة الدفاع ومخصصات العائلة الحاكمة (…)ØŒ ففي الوقت الذي خصصنا فيه 6 ملايين دينار للعائلة فإن أسعار النفط شهدت طفرة كبيرة”.
لكن تلك التجربة انتهت إلى محطة اسمها ”قانون أمن الدولة”ØŒ ولسوف تقرر هذه المحطة التاريخية مصير التجربة البرلمانية الأولى في تاريخ البحرين الحديث.
مراد يقدم تفسيره لتلك المحطة التاريخية ”مع ارتفاع أسعار النفط، قدمت الحكومة قانون أمن الدولة للمجلس الوطني كفخ تريد الإيقاع بنا (…)ØŒ جمعت النواب في منزلي الذي كان مطبخ المواقف قبل كل جلسة، فقد كان يحضر كل من علي الصالح ورسول الجشي وحسن الجشي (رئيس المجلس) وخليفة الظهراني وغيرهم (…) أذكر مواقف الظهراني (رئيس مجلس النواب الحالي)ØŒ فقد كان يردد دائما بأنه معنا، ولكن لا يستطيع أن يساند المجموعة في كل الملفات والقضايا لوضعه القريب مع العائلة الحاكمة”.
يضيف ”لم يقر المجلس الوطني قانون أمن الدولة، وبدأت إجازة المجلس (…)ØŒ سافرت مع علي الصالح وعدد من النواب إلى بعض الدول الاشتراكية، وهناك سمعنا خبر حل المجلس من الراديو”.
هكذا، فإن جاسم مراد كان خارج البحرين مرتين في غمرة حوادث بارزة: عند تشكيل هيئة الاتحاد الوطني في الخمسينات التي صار عضوا فيها فيما بعد، وعند حل المجلس الوطني الذي كان عضوا فيه. ربما أنها محض مصادفة، لكن ماذا كان رد فعله أو شعوره عند سماعه بحل المجلس الوطني؟
يقول مراد ”لم نولِه أهمية لا أنا ولا من كان معي، لذلك فالدستور نص على إعادة الحياة النيابية في 3 أشهر بحد أقصى (…)ØŒ غير أن الهدوء الغريب الذي ساد بعد قرار الحل وعدم الاعتراض الشعبي ساهم بصورة مباشرة في عدم إعادة الانتخابات في وقتها المقرر (…)ØŒ وقد انتظرت الحكومة رد الفعل فترة من الزمن، وحينما تأكدت من عدم حدوث أية اعتراضات بدأت بسحب جوازات سفرنا الخاصة”.
ما تفسيرك لرد الفعل الشعبي هذا والتي تصفها بالهدوء؟ حسب مراد ”لقد لعب الإعلام دوره الكبير في تلك الفترة وقد روجت الحكومة لدعاية مفادها أن النواب يعرقلون مشروعات التنمية الحكومية لرفع المستوى المعيشي للمواطنين”.
لم يعتقل مراد مثلما تم اعتقال بعض النواب الآخرين وخصوصا نواب كتلة الشعب (يسار)ØŒ ولدى جاسم مراد تفسيره لذلك. يقول ”تم القبض على عدد من النواب أذكر منهم محمد جابر الصباح ومحسن مرهون وعلي ربيعة (…)ØŒ كان الخوف يقتصر على اليسار تلك الفترة.. على اعتبار أنه اليسار المتشدد وله اتصالاته وتمويله الخارجي مثلما كانت تروج الحكومة (…)ØŒ كما أن الوضع العالمي في تلك الفترة وصراع القطبين الرأسمالي والشيوعي جعل تلك المعادلة تصب في صالح إجراءات الحكومة من أجل النيل من الشيوعيين”.
يضيف ”وبما أنني ليبرالي فلم يكن اعتقالي في ذلك الوقت يشكل أولوية بالنسبة للحكومة آنذاك”.
لكن جاسم مراد ليس من النوع الذي يهدأ، فهو يظل يعمل تحت أي ظرف ويبقى يصارع الأوضاع ويجتهد بطريقته ويبتكر وسائله ليصل إلى آخر الحدود الممكنة لحل مشكلة أو مساعدة صديق أو أناس لا يعرفهم لكنهم لجأوا إليه.
ضمن تلك الظروف التي سادت عقب حل المجلس الوطني، بقي مراد يسعى للعب أي دور يستطيع القيام به، وعندما سئل عن دوره في تلك الفترة قال ”حاولت لعب دور الوسيط (…)ØŒ فقد توسطت لمحسن مرهون ومحمد جابر وأعتقد أنهم لا يعلمون إلى الآن قضية الوساطة وخصوصا محمد جابر الصباح الذي كان مدينا بمبلغ يصل إلى 36 ألف روبية (3600 دينارا).. تحدثت إلى الأمير الراحل المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان ووافق على تسديدها (…)ØŒ حينما نقلت الخبر إلى زوجة محمد جابر رفضت ورفض هو بدوره أيضا”.
سنوات جمر التسعينات
لم تظهر شخصية جاسم مراد كاملة حتى الآن، فالمساعدة والسعي بكل الطرق لحل مشكلات عامة أو خاصة بأفراد دأبه الذي لا يتوقف. ربما لأنه موضع إجماع على احترامه، سواء بالنسبة للحكومة أو خصومها. لكن لشخصية جاسم مراد أيضا وجه آخر أكثر، قد يكون أكثر صخبا وباعثا على القلق لدى البعض الذي لن يصل في النهاية على رغم قلقه وعلى رغم غضبه أحيانا إلا إلى معاتبة الرجل لا أكثر.
تتضح هذه السمة في جوابه عندما سئل عن رأيه في احتجاجات التسعينات. يقول مراد ”يبدو أنني سأروي لك ما قلته لإحدى الإذاعات (…) اتصلت بي مذيعة في تلك الفترة وسألتني عن سبب الحوادث والتحركات الشعبية فقلت لها أن هؤلاء مجموعة من الفلاحين نهبت أراضيهم ولا يمتلكون عملا فثاروا من أجل لقمة العيش”.
يضيف شارحا ”انتقدني الأخوة على هذا الحديث (…)ØŒ غير أنني أرى بعيدا عن العنف المفتعل والمرفوض، أن تلك الحوادث جاءت نتيجة للفقر والبطالة وهضم حقوق الناس وبالتالي فإن الأرض هي الوطن والوطن للمواطنين فإذا ما سرق حق عيشهم الكريم فيه فإنك قضيت على لقمة عيشهم وهو ما أعنيهم بسرقة الأراضي (…) أما ما يتعلق بأنهم لا يمتلكون عملا فهو البطالة”.
أمس واليوم وغداً.. معارض
على رغم القرب من الجميع والاحترام الذي يحظى به جاسم مراد من الحكومة وخصومها فإنه مازال يصنف معارضا، بل انه لم يتردد في تأكيد انه معارض عندما سئل عما إذا كان يعتبر نفسه معارضا في الوقت الحاضر.
لكن لمراد تفسيره لمعارضته ”نعم أنا من المعارضة (…)ØŒ المعارضة من أجل الإصلاح وأسلوبي النصيحة والتوجيه وسلاحي الكلمة الحرة المباشرة (…)ØŒ عارضت كثيرا وانتقدت القيادة السياسية أكثر، خصوصا فيما يتعلق بالإصلاح الحالي (…)ØŒ فالمشروع الإصلاحي للملك أحدث تغييرات بالفعل غير أن الطموح أكبر بكثير خصوصا فيما يتعلق ببعض الملفات مثل العاطلين والإسكان”.
يتوقف قليلا ليكمل ”هنا لابد من التذكير أننا ساندنا القيادة في زمن الفقر ولابد أن تولي القيادة اهتماما لنا في وقت الغنى (…)ØŒ فالشعب أبقى على عروبة هذا البلد في الاستفتاء كما ساند حكومته ورضي بحكمها على رغم فقر البلد وعلى الحكومة أن تتذكر ذلك جيدا، وأن تقدم لشعبها حقه في العيش الرغيد في هذا الوقت الذي ننعم فيه بالخير الوفير”.
لا يعدم الشواهد على كلامه ”بنظرة فاحصة للجمعيات الخيرية المنتشرة لابد لنا أن نتساءل.. هل يتعين أن نجد فقراء تدعمهم الجمعيات الخيرية في بلد ينعم بالغنى؟ (…)ØŒ لابد أن تقوم الدولة بدورها تجاه الفقراء بدلا من انتشار كل هذه الجمعيات الخيرية”.
لكن لا تكتمل صورة هذا الرجل ما لم نصل إلى الجانب الأكثر فرادة في شخصيته. انه واحد من قلائل جاهروا مبكرا بانتقاد رجال الدين إلى الحد الذي يبدو للكثيرين انه حانق عليهم. هل كذلك حقا؟ لن تتوقعوا الإجابة.
يقول مراد ”رجال الدين في الوقت الحالي يضحكون على عقول الناس ويقحمون الدين في السياسة لا لشيء سوى مصالحهم الشخصية (…)ØŒ ففي الوقت الذي لا يؤمنون فيه بالديمقراطية باعتبارها مستوردة من دول كافرة، يشاركون في الانتخاب والتصويت ويدعون إليه مقابل حاجات الناس”.
ولا تتوقعون السؤال الذي يطرحه أيضا ”من أين لهم كل تلك الأموال؟ أم أن أموال الزكاة والصدقات يجوز استغلالها لشراء الأصوات؟ (…)ØŒ إنهم يستغلون فقر الشعب عندما سيسوا كل شيء (…)ØŒ انظر إلى التيار الديني في المجلس الحالي (…)ØŒ يحاولون فرض آرائهم ومعتقداتهم على الناس غصبا (…)ØŒ أحدهم يقترح هيئة للأمر بالمعروف والآخر قانون تحريم وثالث يريد سن قانون للصلاة”.
لا تتوقف الانتقادات ”هؤلاء لا يمتلكون أدنى درجات العلم أو الثقافة أو حتى النزاهة، ومن الغريب أن يرتقوا لمرتبة تمثيل الشارع البحريني (…)ØŒ على الناس أن تعي ذلك وأن تفكر في اختيار من يمثلها”.
وعندما تسأل هذا الساخر في نقده المعتدل في افقه، عن ما يمكن أن يضعه في بطاقة مطالبه للحكومة، فإن البطاقة ستختزل نفسها في العدالة الاجتماعية. فهي جوهر ما ظل جاسم مراد يطالب به مرارا طيلة عقود، ولعل هذا يجد تفسيره في الأدوار التي ظل مراد يلعبها منذ بواكير حياته وحتى اليوم.
يقول مراد ”إيجاد السكن الملائم لكل مواطن على هذه الأرض الطيبة (…)ØŒ دراسة ماكينزي فاعلة لو تم تطبيقها بالشكل الصحيح ومن دون محسوبيات واستثناءات (…)ØŒ أطالب بالعدالة الاجتماعية الحقيقية لا الصورية ويمكن الاستفادة في هذا الشأن من الدول الاسكندنافية (…)ØŒ يجدر بنا الحد من الجمعيات الخيرية فهذه الجمعيات هدر للمال العام.. وعلى الدولة أن تقوم بالتزاماتها تجاه الفقراء (…)ØŒ لابد من إيجاد جهة تشرف على بيع النفط وتسويقه تشترك فيها مؤسسات متخصصة”.
لكن هذه ليست نهاية القائمة، فالعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك حسب مراد ”على الحكومة أن تطلق حرية الرأي والانتقاد بأقصى مستوى وألا تصدر القوانين التي من شأنها تكبيل الناس وحرياتهم”.
الحرية إذا؟ هل اكتملت المعادلة؟ ليس بعد فلدى جاسم مراد مطلب يميزه بحق عن الكثيرين ”لا يجب استغلال الدين من قبل رجالاته (…)ØŒ الدين مقدس رفيع المقام ومتى ما تم تسييسه فإن من حقنا مناقشته على اعتباره جزءا من اللعبة السياسية”.
هل هذا المطلب الأخير وراء ما يردده البعض عن مراد بأنه ”علماني”ØŸ بل ويذهب بعض هواة المسميات من الصحافيين إلى تسميته ”أبو العلمانية في البحرين”ØŸ
بقي أمر أخير عن جاسم مراد، فقد دخل العمل التجاري واشتغل ببيع الأثاث وتأجير المنازل ولازال مستمرا في هذا العمل، لكن ”التاجر” أو ”المستثمر” يبدو آخر الألقاب أو الصفات التي يمكن أن تعلق بجاسم مراد، فعدا انه جدلي وشاغل الناس بتعليقاته وجرأته، فإن من ذلك النوع من الذي لا يستطيع أحيانا أن يفاضل بين تجارته وبين العمل الوطني ولا يقيم وزنا لحسابات الربح والخسارة إلا في الحدود التي تمكنه فقط من البقاء والعيش دون الحاجة. لقد توقف عن الاشتغال بالسياسة وتوارى، أما الانشغال بها فذلك دأبه وفطرته

Share your thoughts

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.