مع عائلة الأمل .. ذاكرات مثقلة بأحمال الحب

يقول جبران خليل جبران ‘’إن المحبة متى اتسعت صعب التعبير عنها بالكلام، والذاكرة اذا كثرت أحمالها سارت تفتش عن الأعماق الصامتة’’ كنت أقرأ في كل صوت أسأله عن ذاكرته مع عائلة النعيمي صعوبة في التعبير، وذلك لفرط المحبة التي تحجب الكلام، ولكثرة الأحمال التي تشغل ذاكرة هؤلاء المحبين. فرحت أفتش في أعماقهم الصامتة، وأستنطقها بما يتوفر لدي من معرفة بعيدة قريبة بهذه العائلة التي حملت في كل جنبة من جنباتها حلماً اسمه البحرين.. وطن لا يرجف فيه الأمل.
لولا اختلاف الأمل
كيف تختلف طبائع الناس؟ تختلف بحسب ما يتوفرون عليه من أمل. وكيف تختلف أعمار الناس؟ تختلف بحسب ما يتوفرون عليه من أمل أيضاً. هذا ما تقوله خلاصة تجربة الطبيبة فضيلة المحروس.
منذ العام 1972 وحتى 1979 في الفترة التي كانت فيها دكتورة فضيلة المحروس تدرس الطب في جامعة دمشق، قُدِّر لها أن أختبر مقولة الأمل من خلال معايشتي الحميمة جدا لعائلة أبي أمل. كانت الشقة المتواضعة جداً إلا من أمل يثريها بغناء لا مثيل له، كانت هناك سيدة تدير هذا التواضع بروح تجيد تهجي كلمة أمل أكثر من أي كلمة أخرى، كانت هناك مريم، لم تكن تملك من العمر ما يفوقنا سوى بثلاث سنوات، لكنها كانت تملك من الأمل ما يفوقنا عشرات السنوات، كانت تكبرنا بالأمل، ونصغرها بقلة الأمل. امرأة تحمل في داخلها خبرات ورشة مدينة المحرق التي سمّاها قاسم حداد ورشة الأمل. من يملك خبرات هذه الورشة لا يمكنه أن يغلق باب بيته ولا باب شقته، امرأة كانت تتقن درس الأبواب المفتوحة التي كان يدخل منها الأمل الذي ظل يداعب بيوت هذه الورشة المحرقية. إنها مدينة الأبواب المفتوحة كما أبصرها قاسم حداد في سيرته الأخاذة.
البيت هو مكان الشخص، وأنت لا تستطيع أن تطمئن إلى الشخص إلى لم تجد فيه بيتك الذي تودع فيه طمأنينتك وسكينتك. البيت تجربة الإنسان في المكان، إذا ما تسنى للإنسان أن يرينا ذاته مجسدة في هيئة بيت فإنه يكون قد منحنا سكناً لأنفسنا، وعائلة النعيمي قد منحت العابرين أوطانهم هناك سكينة النفس، منحتهم بيوت الأمل. تقول فضيلة ‘’يمكنني أن أعرف النعيمي بأنه الشخص الذي تأتمنه على حياتك، تستطيع أن تعتبره بيتك الذي تقرَّ فيه وتسكن، ستجد في هذا البيت سكينة الطفولة ممثلة في أمل وخالد وبقية الأطفال، هل يمكن لسكينتك أن تجزع وأنت في بيت يؤثثه الأطفال ببراءة بيضاء. ستجد سكينة الأنوثة ممثلة في مريم التي تفيض بأمل الأمومة، فهل يمكن أن تجزع سكينتك وأنت في بيت امرأته تحمل بين جنباتها سعة بحر المحرق ورحابته. ستجد سكينة الجدران التي ترحب بك وتقول لك الرفاق جميعهم مروا من هنا’’
كان البيت كله مدرسة أمل، لم أقرأ سطراً يشي بنوع من التذمر أو اليأس، وإذا كانت المحرق ورشة الأمل، فبيت النعيمي قد أتقن هذا الدرس وحمله معه في غربته، فاستحق بجدارة أن تكون شقته ورشة أمل من نوع خاص. في هذه الورشة تكونت شخصيتي بمتانة بالغة الإيمان بقيم الإنسان وتفانيه وشفافيته ونقائه. لم تكن هذه الورشة تقبل الفاشلين الذين لا يحملون الأمل سواء جاء قي صيغة شهادة أكاديمية أو نضال سياسي أو استقلال إنساني، كانت مدرسة في السلوك والروح والموقف والعيش الكفيف، يستحق أبو أمل وأم أمل وسام استحقاق وطني رفيع الدرجة، فقد تربى في ورشتهم جيل وطني كامل تجاوز انقساماته الطائفية والعرقية’’.
أنفاس السفر
‘’الإنسان يسافر مع الأنفاس’’ هكذا تكلم ابن عربي، والنفس مسافة واتساع ورحابة، هذا ما تقوله تجربة منى عباس في سفرها في رحابة عائلة النعيمي واتساعها ومسافتها البعيدة عن الوطن.
في نهاية السبعينيات، كانت منى عباس تختبر تجربة السفر من المنامة إلى الكويت حيث الدراسة، ومن هناك تتسع المسافات وترحب، حيث أذرع أنفاس الاتحاد الوطني لطلبة البحرين تصلهم بالعالم كله، من هناك يصلون بغداد ودمشق والقاهرة.
تقول منى ‘’المرة الأول التي التقيت فيها بسعيد سيف كنا في رحلة طلابية إلى بغداد، بدا لي ببدلته مهيباً وهو يخطب فينا، استشعرت فيه الأبوة والمهابة، واسترجعت مشاعر الإعجاب التي كانت تداخلني وأنا أقرأ كتاباته في نشرة 5 مارس. حتى إني كنت أسترجع أول عنوان قرأته له حفظته ولم أفهمه، كان العنوان ‘’سفر الصراع وجدليته’’. كنت أرقب نبراته ومخارج حروفه وإسهابه في الفكرة وتنظيمه لها. كنت أرقب ذلك وأتخيل اكتمال أدواتي الخطابية، خصوصا وأني كنت أعد لأتولى وظيفة محرضة خطابية. لم تسمح التراتبيات التي فرضها الحفل العام أن أقترب منه أكثر، التقت نفسه الخطابي في هذه السفرة، وتمثلته داخليا. اكتفيت بذلك وبسلام عابر’’.
السفر إلى بغداد ليس هو السفر نفسه إلى دمشق، فالمسافة تختلف والأنفاس تختلف والرحابة نختلف، فالتجربة تختلف إذن، السفر إلى دمشق يحمل في أفقه اقتراباً من ورشة أمل مريم، هناك ستلتقط منى ما يتجاوز اتساع مسافة النفس الخطابي، ليصلها بالتعرف عن قرب على النفس الإنساني العائلي الحميم الذي يستمد منه سعيد سيف اتساع نفسه السياسي. لابدَّ من السفر إلى دمشق إذن.
تقول منى ‘’هناك حيث أخذني السفر مسافة أبعد من الوطن وأقرب إلى نفس الوطن، هناك نفس مريم، هناك السرُّ الذي يحمله سعيد سيف في شخصيته الأسطورية. السفر إلى دمشق كان بالنسبة لي هو تجربة في السكن في أنفاس مريم وعائلتها، وهي تجربة كشف، لا يمكن فيها للإنسان أن يستر ما تحت أنفاسه. رأيت في هذا السفر مريم وهي تودع رحابتها وبشاشتها وعيونها في كلّ من تمتحنهم تجربة السفر ويغادرون وطنهم البحري بأمل لا يملكون يقين تأكيده. بدت لي (أمل) وكأنها قلب العائلة، وربما كانوا يستمدون من اسمها فعلاً يمنح قلوبهم يقين الانتصار على مسافة الغربة.
لقد امتحنني المرض هناك، كانت انفلونزة حادة جدا، تشبه حدة الغربة عن الوطن التي تتهددنا جميعاً.أحاطتني العائلة بما تملك من أمل، وراحت أنفاسهم تبرد حرارة جسدي، وحينها عرفت أن من تطببه أم أمل أو تهش في وجهه لا يمكن أن يعرف اليأس. والنعيمي لم يعرف اليأس لأن مريم توسعه بهواها كلما ضاق به الهواء. كلما تسرب لي اليأس استعدت أنفاس هذه المرأة الأسطورة فأتجاسر بالأمل.
عدت من دمشق أحمل بيد أنفاساً تشبه أنفاس بيوتنا القديمة المفطورة على البساطة والصدق والطبيعة وألفة الإنسان للإنسان، وباليد الأخرى كنت أحمل شهادة تخرجي من جامعة الكويت، وبكل ما كنت أحمل كنت مدينة إلى من يحملون الأمل.
جهة الجميع
يقول الفنان التشكيلي جبار الغضبان ‘’في عام 1975 كنت في سوريا أدرس في جامعة دمشق في كلية الفنون الجميلة، بدأ اسم سعيد سيف يتردد في أوساطنا مخفورا بسيرة نضاله في ظفار، عرفنا أنه هنا في سوريا مع عائلته التي رافقته في معارك عمان’’.
لا يمكنك أن تعرف سعيد سيف وحده، فأسرته بابه للناس، عرفنا هذه الأسرة المناضلة فرداً فرداً ولحظة لحظة، كانت مأوى لجميع الطلاب البحرانيين، فتحت حضنها لنا جميعاً، بألواننا المتعددة ومواقعنا المختلفة، كانت وطناً حقيقياً، تعلمنا في أجوائها معنى الوطنية العابرة للعرق والطائفة، وإذا كانت جامعة دمشق جامعتنا الأكاديمية، فأسرة النعيمي كانت جامعتنا الوطنية.
سكنت عائلة النعيمي في منطقة المزرعة في وسط دمشق، وقد نسجت من موقعها الجغرافي هناك علاقة وطيدة مع جميع القوى السياسية والنضالية العربية باختلاف انتماءاتها.
‘’أم أمل’’ كانت أم الجميع، قبل أن تكون أختهم، رحابتها أذابت غربتنا هناك، وفقرها الاقتصادي كانت تستره بغناها الروحي. كانت ملجأ للطلاب والطالبات، والمكاسب السياسية والحزبية لم تكن تجد لها مكاناً في قلب هذه العائلة المفعمة بالإنسانية.
كانت لباقة أم أمل وثقافتها وحسن إدارتها لعائلتها توحي للجميع بأن هذه المرأة قد أتقنت أعلى درجات الأكاديميا، لكنها في الحقيقة لم تكن تتقن سوى درس محو الأمية في مدارس الثورة بظفار، ودرس النعيمي الذي فتحها مبكراً على درس الحياة الصعب.
الوفود تأتي العائلة من كل حدب وصوب من الدول العربية والخليجية، من المنفيين والمطاردين والحالمين بأوطان لا تشبه الجدران، تفتح أم أمل جدران بيتها لهم ليلمسوا الوطن الذي يحلمون به. كانت تلملم أطفالها في غرفة وتوسع البيت كله للحالمين بأوطان لا تأتي.
على رغم ضجيج الحركة الدائمة في هذا البيت إلا أن أحداً من الجيران لم يكن يسمع له صوتاً، لذلك كان جيران البيت يقدرون أناقته المفرطة الإنسانية ويحملون له مودة وامتناناً. لقد أحبتهم الأسر السورية كما لم تحب أحداً غيرهم.
أم أمل بحكمتها البالغة الثراء والذكاء، أورثت أبناءها شخصياتهم المتفردة، فكانت أمل التي هي اليوم إعلامية متفردة، وكان خالد الذي فقد لاحقاً بصره لكنه عوضه ببصيرة حادة النباهة، تميز في علوم الكمبيوتر منذ بدايات الثمانينيات، وكان مثار إعجاب واستغراب المؤسسات التي ميزته بوضع خاص يليق بموهبته الفريدة. وبالحكمة نفسها صارت سلوى طبيبة أطفال، وصار وليد حكيم تصميم وديكور، وأخيراً عائشة.
لقد عايشنا هذه العائلة فرداً فرداً ومنفى منفى ولحظة لحظة، عرفنها عن معايشة وتجربة، ووجدنا فيها حلم وطننا الضائع.
علي الديري – الوقت – بروفايل – ٣ مايو ٢٠٠٧

Share your thoughts

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

No Comments Yet.