هـــــــل الطـــــائفـيـــــــة مفهــــــــــــوم نسبــــــــــــــــي؟

كتب: أحمد العرادي

لم يتفق المتحدثون في ندوتنا على مفهوم موحد للطائفية، بل بات من الواضح ان عدم الاتفاق على مفهوم محدد للطائفية هو أساس المشكلة بالأصل.
ان نسبية مفهوم الطائفية واختلافه من شخص الى آخر او جماعة الى اخرى، يعكس مدى التشوش والاختلاط الكبير في المفاهيم والمقاييس التي بات يحتكم إليها البحرينيون في جدلهم العام حول كل القضايا، والطائفية هنا على رأسها. ومن هذا الخلط وبسببه سيمتد التشوش نفسه الى مفاهيم أخرى، فلا التعددية ولا البطالة ولا الديموقراطية ولا حرية التعبير لها مفهوم واحد بل هي مفاهيم مازالت تجاهد لكي تحظى بفهم واحد لدى البحرينيين.
وعدا الخلاف على مفهوم الطائفية وتعريفها، فقد اختلف المتحدثون في أمور عدة: مصدر التحريض الطائفي، والمسؤولية عن هذا التحريض وبات من الواضح ان لائحة المتهمين اصبحت تضم من يفترض فيهم التصدي للطائفية، ونعني هنا الصحافة نفسها.
لقد عمدنا في الحلقة السابقة الى تكثيف آراء المتحدثين لكننا الآن نترك الحوار بين المتحدثين كما هو بتفاصيله، لكي نتابع معا الحيرة التي تنتابنا جميعا ونحن نتصدى لعلاج قضايا راهنة تؤثر فينا بشدة، لكن من الواضح ان مشكلتنا تبدأ مع افتقادنا للفهم والتعريف المشترك لهذه القضايا والمشكلات.
لنقرأ الآن هذا الجزء الجديد من الندوة:
مصعب الشيخ صالح (منتديات شعب البحرين): هناك نظريتان في الإعلام، إحداهما أن المجتمع هو الذي يسيطر على الإعلام ويؤثر فيه بينما تؤكد الأخرى على أن الإعلام له دور أساسي في توجيه المجتمع. وهذا ينطبق تماما على المقابلة التي نشرتها ”منتديات الدير” ونقلتها صحيفة (الوقت) وبعدها نعلم جيدا كيف كان تأثيرها.
علي سلمان (منتديات شعب البحرين): لا نختلف في أن يكون الموقع الإلكتروني أو المنتديات منبرا حرا ولكن يجب أن يتم ذلك وفق القانون لا خروجا عليه، فالديمقراطية والشفافية وحرية التعبير لا تكون مطلقة حتى تصل إلى الاعتداء على الشخصيات والتيارات والأحزاب، مهما كانت توجهاتها.
والمشكلة أن الذي يكتب مجهول الهوية، فكيف أحاسبه وأحاكمه إن اعتدى علي شخصيا أو اعتدى على طائفة أو تيار أنتمي إليه؟
الأخ عبدالجبار ذكر أن هناك صعوبة في منع الطرح الطائفي، وبحسب خبرتنا في المنتديات أن هناك مشرفين ومراقبين وعلى هذا الأساس أؤكد أن ما قاله غير صحيح، كما أن هناك عدة إجراءات وخطوات تتخذ ضد المخالف تبدأ بالنصيحة والتنبيه وتنتهي بشطب العضوية نهائياً.
أحمد الديري (منتديات الدير): هناك بعض المنتديات فيها طرح طائفي بشكل كارثي.
عدنان عسكر منتديات مملكة البحرين (معترضا): ذلك بالنسبة لتقييمك الشخصي.
الديري: عفواً، الذي أريد التأكيد عليه أين حرية التعبير من الدعوة إلى القتل؟ المشكلة أن الاختلافات لا تتوقف عند الشأن السياسي وإنما هناك طعن مباشر في مذاهب وطوائف وتيارات، في الوقت الذي من الممكن بكل بساطة أن يتم شطب موضوعات شاذة وإنهاء عضوية أصحابها. أتعلمون الألم الذي تسببه بعض الموضوعات التي تحرض على كراهية أفراد أو طوائف؟ إلى متى سنستمر بكل هذا الوضع؟
مسؤولية أصحاب المواقع
محمود اليوسف: المشكلة التي نواجهها تعمق التحريض على الكراهية وتصاعد النبرة التي تهدف إلى زعزعة النسيج الاجتماعي. والمشكلة أن الكثير من المواقع ليس لديها مرونة، وحتى الأفراد، إذ بمجرد أن يكتب أحدهم شيئا حتى يندفع الطرف الآخر مدافعا وشاتما للأول.
ليكتب فلان ما يريد، ولكن لا يجب أن أقع في الخطأ الذي ارتكبه، فإذا كان يحـــث على الكراهيــة فذلك ضد الإنسانية وليست المسألة طائفية وحسب، وأتساءل لماذا لا يتم تجنب مثل أولئك وتجنب الرد عليهم فيما يتكفل أصحاب المواقع بالسيطرة على أعضائها؟
أرى أن كل منتدى يتهم الآخر بالطائفية والغريب أن المشكلة التي نتحدث عنها مضى عليها 1400 عام، ونحن لسنا بصدد حلها اليوم في الندوة وإنما يجب أن نتقيد بعقلانية الطرح واحترام الرأي الآخر.
وبالنسبة لتدخل وزارة الإعلام وحجبها للمواقع، يجب أن ننبه هنا إلى مسألة مهمة، هي أن الموقع المخالف يجب أن يتم استخدام العقل معه والمنطق، لا أن يتم حجب الموقع بأكمله من أجل موضوع كتبه عضو من الأعضاء أو مدون في مدونته، ويجب أن نعرف أمرا مهماً وهو أن وجود قانون مهما كان لن يمنع الطائفية في البلد بتاتا، فما يمنع الطائفية هو التسامح والمرونة والتقبل، وليس الاستنفار لنصرة الطائفة التي تضررت لكلمات كتبها أحد الأسماء النكرة غير المعروفة.
يجب التركيز على أمر في غاية الأهمية هنا، وهو تسليط الضوء على نشر الكراهية، أي أن يتم كره فرد ما أو جماعة أو تيار أو طائفة فقط لانتماءات دينية أو طائفية أو عائلية.
للأسف ما نراه أن هناك جماعة متخصصة في هذه الشؤون تكتب أمرا ما بردود معينة وتنتقل كقافلة متكاملة إلى موقع أو منتدى آخر لتطرح الموضوع نفسه والردود نفسها.
إبراهيم سند: المشكلة أن أي موضوع يتم طرحه، وبمجرد أنه لا يتوافق مع فكري أو توجهي سأوجه له بصورة مباشرة أن صاحب الطرح طائفي. فقد أضحت كلمة الطائفية مثل الحجر الذي يتناقله الجميع ويرمي به على الآخرين، فيما الأغلبية لا تعرف حقيقة المفهوم الحقيقي للطائفية.
من المفترض أن جلستنا هذه تحوي تفسيراً للطائفية لكي نستطيع فعليا أن نعرف أي الموضوعات ستصب في المنحى الطائفي والحض على الكراهية وأيها خارج هذا النطاق، وسؤالي هنا هل كانت ثمة طائفية قبل نشأة منتديات مملكة البحرين التي يتهمها الجميع بالطائفية أم لا توجد؟
إذا كان الجواب نعم، إذاً هناك من سبقنا بالطرح الطائفي فلماذا يتم اتهامنا الآن؟ وأين كان الجميع ضد تلك المنتديات التي تطرح موضوعات طائفية آنذاك؟ ما السبب الحقيقي وراء التهجم علينا؟
اليوسف: أنت لا تستطيع أن تسمح للطائفية في منتداك لأن الآخرين يستخدمونها، ولا يمكن القبول بأن يعلل أي من كان استخدامه لهذا الوتر الخطير بسبب استغلال الآخرين له.
سند: لهذا أنا أؤكد أن الطائفية كانت موجودة وتمارس، لكن حينما أضحت متعارضة مع بعض التوجهات بدأت الحرب ضدها، أما بالنسبة لي فلا أجد في منتداي أي طائفية، وهذا ليس دفاعا عن الأعضاء الذين يعبرون عن آرائهم واعتبر الآخرون ذلك طائفية أو تحريضاً على كراهية. أنا أتساءل هنا، إذا كان هناك من طرح موضوع معين وأرفق فيه أدلة وبراهين فهل هذا يعد طائفية؟
$: عن أي موضوع وفي أي اتجاه تقصد؟
ابراهيم سند: أيا كان، دينيا أو سياسيا.
أحمد الديري: لنقل براهين وأدلة تحرض على القتل مثلا؟
استدعاء التاريخ وإرثه
إبراهيم سند: عفوا بالنسبة لمنظوري بشأن الطائفية هو تحريض فرد من طائفة معينة لقتل أو هتك عرض أو تخريب فرد آخر من طائفة ثانية، أما إذا كتب أحدهم موضوعا يتطرق لطائفة أخرى وتضمن إثباتات وبراهين من كتب مشهودة فمن غير المقبول اتهامه بالطائفية.
محمود اليوسف: ما السبب الذي دفع هذا العضو إلى أن يكتب مثل هذا الموضوع ويدعمه ببراهين؟
ابراهيم سند: قد يكون مؤمنا بفكرة معينة أو يرى ممارسة خاطئة لدى البعض، ويرغب في أن يتأكد إن كانت فكرته صحيحة أم لا. وللتنويه هذه فكرة أصحاب المشاركات من هذا النوع ولست مقتنعا بها.
محمود اليوسف: بصفتك إداريا ورأيت موضوعا منقولا من كتاب معين مهما كان موثوقا، وتعلم جيدا أن مثل هذا النوع يحض على الكراهية.
سند (مقاطعا): لماذا يحض على الكراهية؟ ألا يمكن أن يكون طريقا لسلك المسار الصحيح.
محمود اليوسف: لا بأس ولكن ما الفائدة المرجوة في نهاية المطاف من كل ذلك؟
سند: أتسأل ما الفائدة من تعليم الناس؟ ما هو الصواب وما هو؟ هذه هي الغاية التي نعيش من أجلها.
مصعب الشيخ: قد يكون كلامك صحيحا في حدود معينة، لكن ما يحدث عادة أن يتم الاستشهاد من أجل إثارة النعرات الطائفية وفي معظم الأحيان يتم الاستعانة بمراجع ليست معتبرة لدى الطائفتين وهو الواقع والأمثلة كثيرة في ذلك.
عبدالجبار أحمد: هناك شق أدبي من الواجب احترامه، فهناك بعض المقالات أو الموضوعات تاريخية لا بد من احترامها حتى ولو كانت ضد تيار أو طائفة، أكانت نقدا أم غير ذلك.
هناك بعض المقالات فيها طرح طائفي لكن فيها فكرة مستحدثة جديدة، فعلى سبيل المثال حينما يكتب عن موضوع معين ويتم استدعاء التاريخ فيه، فإن القانون ينظر إلى شكل الفكرة وليس مضمونها.
$: هناك جيل كامل يتغذى على المنتديات فهل هذه هي الثقافة التي ننشدها لجيلنا المستقبلي؟
عبدالجبار أحمد: قناعتي أن أي فرد يرمي الآخرين بالطائفية فهو طائفي، فالطوائف والتيارات والاتجاهات كلها تعيش في دولة واحدة، ومن المفترض أن يكون هناك ترسيخ لأهداف ومبادئ وطنية وحياة ديمقراطية.
أحمد الديري: هذا الكلام غير صحيح، هناك بالفعل من يحارب الطائفية ولا يرغب أن تتفشى في المجتمع البحريني فكيف يكون طائفيا لأنه يريد أن يوقف هذا المرض العضال؟ فهذه القاعدة أو القناعة غير سليمة.
علي سلمان: بهدوء كامل هل سنتفق على تحريم التحريض على القتل والعنف والكراهية والسب والشتم إلى الأفراد والطوائف أم لا؟
الحديث أن الإدارات عاجزة عن السيطرة على المشاركات غير صحيح فحتى لو تأخرت قليلا فهي قادرة على أن تشطب المشاركة، ومن الغريب أن بعض المواقع التي تنشر مثل هذه الموضوعات مسجلة لدى وزارة الإعلام رسمياً وتعرف أصحابها ورغم ذلك هي لا تقوم بدورها على أكمل وجه.
مصعب الشيخ: الوسيلة الإعلامية الذكية تعرف كيفية التعامل مع مثل هذه القضايا، وطرح الموضوع للمناقشة وفق ضوابط معينة من دون إثارة النعرات، فنحن المنتدى الوحيد في البحرين الذي حدد هدفه بنبذ الطائفية وهو الشعار الواضح، وقد وضعنا قسماً خاصاً بالطائفية نناقش أمورها من دون أن تحوي أي إساءة واستطعنا الوصول من خلال هذه الطريقة إلى رقي في الحوار والنقاش من دون إساءة. لو كل منتدى اعتبر نفسه محترما وقدر نفسه على أساس دوره في تأدية الرسالة لما حدث كل ذلك، إذ من غير المعقول أن تكون المنتديات كما قال البعض انعكاسا للواقع بل يجب أن يكون هناك دور للتأثير على المجتمع وتوجيهه التوجيه السليم لا العكس.
أرى أنه يجب أن يتدخل علماء الدين وأن يكون لهم دور في النهي عن إثارة النعرات الطائفية وذلك لتخفيف الاحتقانات كما أن دور المنتديات مهم جداً في هذا الصدد في منع أي إثارة من هذا النوع. وكذلك وزارة الإعلام عليها المتابعة والتوجيه المستمر.
عدنان عسكر: أرى من المهم التسجيل في وزارة الإعلام، فعدد المسجلين قلة ونحن تحت طائلة القانون على العكس من البقية، فإذا كانت الوزارة ستحاسبنا فهل يمكن محاسبة الآخرين الذين لا يعرف أحد شخصياتهم؟
محمد اليوسف: ما هو مصدر تمويلكم؟
سند: هذا أمر خاص لا أعتقد أن من حق أي شخص التدخل فيه.
محمود اليوسف: ذلك يعني أن هناك بالفعل ممولين.
عدنان عسكر: لا أبدا، وأتحدى إن لم تكن المنتديات تدفع من جيبها الخاص.
محمود اليوسف: مع احترامي لوزارة الإعلام، لكن لا أعتقد أن التسجيل سيحل أي مشكلة ولن يخفف من الاحتقان القائم، فما الفائدة المرجوة من التسجيل؟ ما سيحكم مشاركات مرتادي المنتديات والمشرفين والمراقبين رقابتهم الذاتية وشعورهم بالمسؤولية.
عدنان عسكر: هناك فائدة، إذ كيف يقاضي وزارة الإعلام إذا حجبت موقعه من دون سبب، وهو غير مسجل.
محمود اليوسف: أمر التسجيل شخصي وخاص، ومسألة الحماية الفكرية فذلك صعب جدا في ظل انتشار الانترنت ولم يعد بإمكان الوزارة السيطرة عليها وبالتالي فلا يوجد دافع حقيقي للتسجيل.
لكن من الممكن أن تحتضن الإعلام المدونات والمنتديات والمواقع وتقدم دورات مجانية وتدريبات خاصة لأصحاب المواقع المسجلة كنوع من الترغيب. أعتقد أن الكثير سوف يقدم على هذه الخطوة، لكن حاليا لا أرى أي داع أو هدف من التسجيل أو ميزة.
أما إذا أرادت وزارة الإعلام حجب موقع أو منتدى فذلك ليس من حقها، وإنما يجب حسم المسألة من خلال القضاء، وغير ذلك فهذا اعتداء على الدستور الذي حمى حرية الرأي والفكر.

الوقت – ٨ يونيو ٢٠٠٨
download PDF copy

No comments yet.

Leave a Reply

Connect with Facebook

Leave your opinion here. Please be nice. Your Email address will be kept private.